التصنيف العام مواسم الخير
عيد بأية حال عدت يا عيد

عيد بأية حال عدت يا عيد

 

فضيلة الشيخ : ناصر العمر

 

وكل عيد ونحن وأنتم والمسلمون بخير. .

 

       فيمـا مضى كنت بالأعياد مسروراً ***** فساءك العيد في أغمات مأسورا

      تــرى بناتك في الأطمـار جائعة ***** يغزلن للناس مايملكـن قطميرا

يـطأن في الطين والأقــدام حافـية ***** كأنها لم تطأ مسكـا وكافورا

 

تذكرت أبيات الصاحب بن عباد قبيل عيد هذا العام وأنا أقلب النظر في حال الأمة يمنة ويسرة، وجراحات المسلمين ضاربة أطنابها شرقاً وغرباً، وكأنه اختزل لنا هذه الحال في تلك الأبيات التي تفيض أسى وحزناً

 

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد ** تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

 

ففي فلسطين ما يُدمي القلب، ويُحدث الأسى، وبنو صهيون قد طغوا وبغوا وتجبروا، وفي أفغانستان أهوال تشيب لها الولدان، فلم تنعم بالأمن منذ أكثر من عشرين عاماً، ابتداء بجرائم الروس وفظائعهم، وانتهاء بكبرياء الغرب وغطرستهم، وتحزب الأحزاب وتكالبهم ضد شعب بريء مستضعف قد أوهنته الحروب، واشتدت عليه الخطوب، ولجأ إلى الله يشكو ظلم الظالمين، وخذلان الجيران والمسلمين والمحبين، ولا يزال في الشيشان جرح ينزف، ودماء تسيل، وضاعت أصوات الثكالى وآهات المكلومين في زحمة هذه المآسي والآلام، حتى كدنا أن ننسى أن هناك مصيبة في بلاد الشيشان، أما كشمير والفليبين والأرخبيل، فتشكو حالها إلى الله، فلم تعد أخبارها تثير الحزن، أو جراحها تهز الوجدان، وذهبت صراخاتها أدراج الرياح.

 

رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتـم

لا مست أسماعهم لكنـها لم تلامس نخوة المعتصـم

 

بل إنني تذكرت وأنا أقلب النظر في مآسي المسلمين وجراحاتهم حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهو

يذكر لنا القتال الذي سيجري مع الروم، وكان مما قاله في هذا الحديث العظيم:(يقتتلون مقتلة – إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم يرى مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتاً، ثم قال: فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم) رواه مسلم.

تذكرت هذا الحديث وأنا أسمع أخبار المسلمين وأعداد القتلى بالمئات بل بالآلاف، فقلت: بأي عيد نفرح أم بأي مناسبة نحتفل ؟ !

 

ومما زاد في الحزن والأسى ما أسمعه من استعدادات كبرى تجرى للاحتفال بالعيد، وفيها من المآثم وكفر النعمة والاختلاط ما لا يخفى، والذين يشاركون في هذه الاحتفالات يقعون في جملة من الأخطاء، ويرتكبون عدداً من الذنوب والآثام، فكيف يكون شكر الله على نعمة هذا الشهر، وما أكرمنا به من الصيام والقيام والعبادة، بمثل هذه السفاهة وخفة الأحلام !

 

وكيف يحتفل الناس باللهو والعبث، وجراحات المسلمين تنزف، والعدو قد استباح الدماء والأعراض، ألا نخشى أن يحلّ بنا ما حذّر الله منه في كتابه " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمرناها تدميراً ".

ألا نتذكر قولـه – تعالى-: "وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ".

بينما دلّنا- سبحانه- كيف يكون شكره في ختام هذا الشهر الكريم ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبّروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾.

إن شكر الله وحمده، والثناء عليه يكون بالمحافظة على دينه، والأخذ على أيدي السفهاء، وقصرهم على الحق قصراً، وأطرهم عليه أطراً، ودعم الجهاد ومساعدة المجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الله والدفاع عن شرعه، وردّ كيد المعتدين في نحورهم من اليهود والنصارى، والمشركين، والعلمانيين، ومن حالفهم من المنافقين والمهزومين.

تذكرت ونحن نستقبل هذا العيد المبارك ما شدا به محمود غنيم –رحمه الله- في قصيدته الرائعة، فأشجاني وأثار كوامن في النفس مدفونة:

 

ما لي وللنجم يرعاني وأرعــاه    أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه

لي فيك ياليل آهات أرددهــــا    أواه لو أجدت المحــزون أواه

كم صرّفتنا يد كنـا نصرّفـها    وبات يملكنـا شعب ملكنـاه

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلـد    تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

 

ومع تلك المآسي والجراحات، فإن هناك الأمل المشرق، والمستقبل الباهر -بإذن الله- الذي يبشر بفتح عظيم وانتصار قادم، بدت بوادره تظهر في زحمة الآلام والأحزان.

إن هذه الفواجع تحمل في رحمها نوراً ساطعاً، وبشرى لا تخفى على ذي عينين، ستنير ما بين المشرق والمغرب _بإذن الله_.

ولقد أرشدنا - صلى الله عليه وسلم - وعلمنا كيف يكون التفاؤل في أقسى الظروف والأحوال، فهاهو - صلى الله عليه وسلم - وهو يحدث عائشة -رضي الله عنها- ويجيبها عن سؤالها: هل مرّ عليه يوم أشد من يوم أحد، فقال: (لقد لقيت من قومك -وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة- إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بـ (قرن الثعالب) فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: "إن الله -عز وجل- قد سمع قول قومك لك ، وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، وسلّم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً) رواه مسلم.

 

أي تفاؤل أعظم من هذا التفاؤل؟ يخرج هائماً على وجهه من شدة ما يلاقي من قومه، ومع ذلك يقول لملك الجبال تلك المقالة. إنها تدل على قوة إيمان، وثقة بالنصر، وبعد عن اليأس، وأمل مشرق، وتفاؤل لا يحدّه حدّ، فلم تكن تلك الظروف المحيطة به -مع ما فيها من آلام وأحزان- لتحول بينه وبين هذا الأمل، واستشراف المستقبل، وحسن الظن بالله.

 

إنه قد خرج عن الدائرة الضيقة التي يعيش فيها إلى الأفق الرحب، والأمل الواسع، والتطلع إلى المستقبل بثقة لا تعرف اليأس والقنوط.

 

وتمضي السيرة تؤكد لنا هذا المنهج الذي يربي عليه - صلى الله عليه وسلم - أمته، فعندما جاء الصحابة يشكون له حالهم، وما يلاقونه من قريش، كما في حديث خباب، فيفاجئهم - صلى الله عليه وسلم - بمقولته الرائعة، التي تنقلهم من هذا الضيق والعناء، إلى المستقبل الباهر، والفضاء الرحب، والسيادة المطلقة (والله ليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه) ثم يختم ذلك بمقولة تدل على إدراك عميق لطبيعة النفس البشرية (ولكنّكم تستعجلون).

 

أما قصة الهجرة عندما لحقه سراقة ليدلّ عليه قريش، ثم حدث لفرس سراقة ما حدث، وبعد أن أعطاهم الأمان وطلب الدعاء، إذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول له كلاماً يدلّ على ما تحمله نفسه - صلى الله عليه وسلم - من ثقة بالله، وتفاؤل لا يعرف الحدود، مع أنه قد خرج من أحبّ البلاد إليه طريداً خائفاً من قريش، ليس معه إلا صاحبه - رضي الله عنه - فإذا هو يبشّر سراقة بأنه سيلبس سواري كسرى، إنه هنا - صلى الله عليه وسلم - يبشّر بسقوط مملكة من أعظم الدول والممالك في ذلك الزمان، وهي مملكة فارس التي كانت تتقاسم مع الروم السلطة والملك.

 

إنه بون شاسع، وفرق عظيم بين الحال التي كان عليها وهو يقول لسراقة ما قال، وبين ما يبشّره به من فتح عظيم، ونصر لهذا الدين يتخطى الجزيرة إلى مملكة من أعظم الممالك في التاريخ وهكذا كان.

إن تربية النفس على التفاؤل في أعظم الظروف وأقسى الأحوال، منهج لا يستطيعه إلا أفذاذ الرجال، والمتفائلون وحدهم هم الذين يصنعون التاريخ، ويسودون الأمم، ويقودون الأجيال.

 

أما اليائسون والمتشائمون، فلم يستطيعوا أن يبنوا الحياة السوية، والسعادة الحقيقية في داخل ذواتهم، فكيف يصنعونها لغيرهم، أو يبشّرون بها سواهم، وفاقد الشيء لا يعطيه.

 

ومكلف الأشياء ضد طباعها متطلّب في الماء جذوة نـار

 

إننا بحاجة إلى أن نربى الأمة على التفاؤل الإيجابي، الذي يساهم في تجاوز المرحلة التي تمرّ بها اليوم، مما يشدّ من عضدها، ويثبّت أقدامها في مواجهة أشرس الأعداء، وأقوى الخصوم؛ ليتحقق لها النصر- بإذن الله-.

 

والتفاؤل الإيجابي، هو التفاؤل الفعّال، المقرون بالعمل المتعدي حدود الأماني والأحلام.

 

والتفاؤل الإيجابي هو المتمشّي مع السنن الكونية، أما الخوارق والكرامات فليست لنا ولا يطالب المسلم بالاعتماد عليها، أو الركون إليها، وإنما نحن مطالبون بالأخذ بالأسباب، وفق المنهج الرباني،

والتفاؤل الإيجابي هو التفاؤل الواقعي الذي يتّخذ من الحاضر دليلاً على المستقبل دون إفراط أو تفريط، أو غلوّ أو جفاء.

 

والتفاؤل الإيجابي هو المبنيّ على الثقة بالله، والإيمان بتحقق موعوده، متى ما توافرت الأسباب، وزالت الموانع "ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض".

 

والمتأمل للواقع اليوم يرى من المبشّرات مالا يستطيع جاحد أن ينكره، ويكفي من ذلك أن هذه الأمة أصبحت الشغل الشاغل للعالم يحسب لها العدو ألف حساب، وما تحالف العالم اليوم بقيادة أمريكا ضد المسلمين باسم (مكافحة الإرهاب) إلا دليل على قوة شأن الأمة، وأنها بدأت تسير نحو طريق العزة والكرامة، والمجد والخلود، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ولكنكم تستعجلون".

 

وتأمّل معي هذه البشرى "لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم".

 

وعضّ على هذا النبراس العظيم " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون "

لا يوجد بث مباشر الان
حرب الاعلام على الاسلام الشيخ الدكتور محمد بن إسماعيل المقدماغتنم الفرصة ما دمت قادرا قبل أن لا تستطيع لا تجعلوا الاسلام موسميا..الشيخ سعيد عبدالعظيم
ملفات خاصة وقضايا معاصرة