العلماء والدعاة    الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي    نماذج من تضحيات علماء الشناقطة
تصنيف :    الدعوة إلى الله

تأثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة المجيدري

وعندما خرج إلى الحج بدأ بالمدينة المشرفة فلقي فيها عدداً كبيراً من طلبة العلم، ومن الذين لقيهم في المدينة محمد بن عبد الوهاب بن سليمان النجدي ، وقد صحبه في المدينة، وتأثر محمد بن عبد الوهاب بدعوة المجيدري، فكان يعد محمد بن عبد الوهاب من تلامذة المجيدري ، ثم رجع المجيدري إلى هذه البلاد ومر بالقيروان فدرس في الزيتونة ورجع إلى بلاده ودعا بدعوته السلفية المشهورة، وقد وجد أمامه شيخه العلامة المختار بن بونة الجكني، وكان المختار بن بونة شيخاً لكثير من أهل هذه البلاد إذ ذاك، فهو عالم هذه البلاد قبل مجيء المجيدري . وقد حصلت بينهما نفرة؛ لأن العلامة المختار رحمه الله كان يرى مذهب الأشاعرة في بعض الأمر، وكان العلامة المجيدري سلفياً، وقد تشدد في النكير على المختار في بداية مجيئه.

 

جهود تلاميذ المجيدري

وتتلمذ على المجيدري عدد كبير من العلماء المشاهير، منهم العلامة المأمون بن محمد الصوفي بن عبد الله المجاور اليعقوبي ، وكان أبرز تلامذته، وحدثني الثقات عن بعض كبار العلماء أن المأمون كان يحفظ الكتب الستة كما يحفظ القرآن، ولذلك يرثيه الشيخ محمد المامي رحمه الله بقوله: ريع تقاصر دونه لبنان ويهون دون ترابه المرجان يا ريع لو نبت الحديث ببلـدة نبت الحديث عليك والقرآن فقد جعله بمثابة بذور القرآن والسنة، فلما دفن في هذا المكان كأنما بذر فيه الكتاب والسنة. يا ريع لو نبت الحديث ببلدة نبت الحديث عليك والقرآن وكذلك من تلامذة هذه المحضرة ومشاهير النابغين فيها العلامة البخاري بن الفلالي بن مسك بن بارك الله بن بارك الله فيه . ومنهم كذلك العلامة مولود بن أحمد الجواد اليعقوبي ، وقد كان هؤلاء في بداية الدعوة السلفية في حياة المجيدري يجدون بعض المضايقة من بعض الناس، فكانوا يسمونهم بالبدعية، لكن المجيدري رحمه الله قال: لو كنت بدعياً لما كان الصواب عندي الأحاديث الصحاح والكتاب وتجد أن تضحية هذا الرجل وسفره الطويل في طلب العلم لم يأخذ كثيراً من وقته، فقد توفي وهو في الثالثة والثلاثين من عمره. وكذلك من المتأثرين بهذه المحضرة العلامة محمد بن محمد الأمين المشهور بـمحمد بن الطربة اليعقوبي ، وقد تربى في هذه المحضرة فتعلم فيها، وقد اشتهر لدى الناس بعلوم العربية، لكنه كان مبرزاً أيضاً في علوم الشريعة، وكان من المشتهرين بالعناية بأصول الفقه والقواعد الفقهية في هذه البلاد، مع أن العلامة سيدي سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم في العصور اللاحقة يذكر أن أصول الفقه في هذه البلاد قد قل أهله وندر الاشتغال به.

 

نماذج من الجد في الحفظ للحاق برتبة الأذكياء

......

ابن الأعمش العلوي

كذلك من الذين اشتهروا بتضحياتهم في العلم العلامة ابن الأعمش العلوي، وقد كان رحمه الله صاحب جد وتشمير، ولم يكن صاحب ذكاء، لكن الله عوض له الذكاء بالهمة العالية، ولذلك خرج ليأخذ الملح من السباخ في منطقة الغرب ليبيعه في بلاد (مالي) -وقد كانت تجارة رائدة إذ ذاك- فجاءه رجل وهو يعمل في قطع الملح في السباخ فقال: أريد أن أقرأ. فقال: مشي. بمعنى: اقرأ، فظن الشاب أنه يعتذر له في ذلك الوقت، فمكث وقتاً ثم قال له أريد أن أقرأ فقال: مشي. فشرح له الدرس على أبلغ ما يكون وأحسنه وأجوده وهو مشتغل بعمله لم يقطعه، فبهر الطالب بذلك فقال له: بأي شيء نلت هذا العلم يا شيخ؟ قال: وهو في انشغاله ألف غبابٍ ومائة تكريرة. معناه أنه كان يقرأ الدرس ألف مرة، وكان يراجع الشرح مائة مرة.

 

ابن قيقكو

ولا تنكر مثل هذا، فهذا ابن قيقكو لم يكن أيضاً صاحب ذكاء لكنه كان صاحب همة عجيبة، وقد دعته أمه إلى حفظ كتاب الله ورغبته فيه فكان يكتب كلمة واحدة في اليوم، ولا يزال يكررها حتى تغرب الشمس، ثم يكتب كلمة أخرى، ومكث بهذا سنة أو أكثر، ولكنه بذلك استطاع أن يكون ملكة الحفظ لديه، فكان بعد هذا لا يسمع شيئاً إلا حفظه، بعد أن صبر سنة على ثلاثمائة وستين كلمة فقط من القرآن كان بعد هذا لا يسمع شيئاً إلا حفظه، لكنه الجد والتشمير.

 

المختار بن بونة

وكذلك من العناء الذي لقيه المختار بن بونة رحمه الله في فهم النحو أيضاً مثال من أمثلة التضحية في سبيل العلم. فإن المختار رحمه الله درس الآجرومية فلم يفهمها، ثم درسها فلم يفهمها، فخرج مغموماً مهموماً فجلس تحت ظل شجرة، فرأى نملة تصعد تريد قطعة شحم صغيرة على رأس قضيب فإذا توسطت في القضيب سقطت، ثم عادت من جديد تصعد فإذا توسطت في القضيب سقطت، حتى أعادت سبعاً فوصلت النملة، فقال المختار : لن تكون هذه النملة أقوى مني همة. فرجع فقرأ الكتاب سبع مرات ففتح له في النحو وكان إماماً فيه. ولكنه مع ذلك عود طلابه وأصحابه أيضاً على التضحية في سبيل العلم، وقد كانوا يشكون من عناء أسفاره، وكان رجلاً مولعاً بالسفر لا يستقر يومين متواليين في مكان إلا أراد الانتقال منه والسفر. ولذلك يقول أحد طلابه: لك الله من شيخ إذا تيممت تلاميذه مأوى لنصب المدارس يفزع نون البحر طوراً وتارة يدهده جحر الضب في رأس مادس فتارة يذهب إلى (تيرس) وتارة يقطع نهر السنغال إلى أفريقيا، وكثير من هؤلاء قد لقوا عناءً كبيراً في هذه الأسفار، فكان المختار رحمه الله دائماً في سفر والطلاب يصحبونه في سفره، ولذلك يصف نفسه وطلابه بقوله: قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة فيها نبين دين الله تبيانا والعيس هي الإبل. وكذلك فإن العلامة مولود بن أحمد الجواد رحمه الله سافر أيضاً إلى بلاد السودان، ولم يكن يحسن السباحة، فكان مع قوم يحسنونها، فدخلوا في النهر وكان عليه أن يغامر كما غامروا فخاض البحر ليصل إلى منتهاه لقوة همته، ولم يكن له أية خلفية في السباحة قبل ذلك.

 

جهود العلامة زياد اليكودي

وكذلك من المضحين التضحيات الجسام في طلب هذا العلم ونشره العلامة زياد، وكان قد لزم العلامة محمد بن محمد سالم وأولاده زماناً طويلاً، فلم يستفد حفظاً للعلم ولا فهماً له، فدله بعض الناصحين على أن يلتمس دعوة الشيخ، وكان الشيخ مجاب الدعوات في كثير من الأحيان، فقال: لن ألتمس منه هذه الدعوة حتى يكون هو الذي يدعو لي من تلقاء نفسه. فبحث عما يرضي الشيخ من الخدمة فكان يمارسه، حتى إن الشيخ في عام مجدب جربت إبله واشتهر فيها الجرب، فوضعوا طلاء في قدر لهم لطلاء الإبل، وكانوا في (تيرس) فاشتد عليهم الجدب، فارتحلوا إلى (أقان) -وهذه مسافة طويلة جداً- فأخذا زياد القدر الذي فيه طلاء الإبل الشديد الرائحة المنتن وحمله على رأسه من (تيرس) إلى نهاية (أقان)، فكان محمد بن محمد سالم كلما راح وكلما أصبح يدعو لـزياد بالفتح والعلم النافع، فما وصلوا (أقان) حتى أصبح أذكى الطلاب وأنبههم. ويذكر مثل هذا عن خليل بن إسحاق رحمه الله عندما دعا له المنوفي رحمه الله فاستجاب الله دعاءه، والله سبحانه وتعالى لا يعجزه أن يستجيب دعوات عباده، ومن أخلص لله سبحانه وكان صادقاً في التعامل معه يستجيب دعاءه، وقد كان من هذه الأمة عدد من الذين لا ترد لهم دعوة. وقد كان محمد بن محمد سالم رحمه الله من المعروفين باستجابة الدعوة، ولهذا تحدثني امرأة أدركتها وقد عاشت مائة سنة، وهي ابنة الشيخ حبيب الله بن البيتور القناني، تحدث عن والدها حبيب الله بن البيتورة وكان من طلاب محمد بن محمد سالم المجلسي . فحدثتني أن والدها أخبرها أن محمد بن محمد سالم في آخر عمره كان يصوم أغلب الأيام، فكان يذهب بعد صلاة الفجر إلى الخلاء فلا يزال يقرأ كتاب الله ويتدبر العلم ويكتب في صحف عنده مؤلفاته، فإذا حان وقت الإفطار كان بعيداً جداً عن الحي، فيأتيه حبيب الله بن البيتور هذا يحمل له ماءً يفطر عليه، فأتاه ذات يوم وقد اشتد به العطش فأتاه بماء أفطر عليه فقال له: عمرك الله طائعاً. فلما انصرف دعاه فقال: أنا قد دعوت لك، فاستجاب الله هذه الدعوة، وعاش حبيب الله مائة سنة وابنته التي حدثتني أيضاً عاشت مائة سنة، أو أكثر. وعرف عن حبيب الله هذا أنه ما صلى قط بغير وضوء، فلم يحتج إلى التيمم قط، ولم يفطر قط في السفر ولا في الحضر، أي: في رمضان لم يحتج إلى الإفطار في سفر ولا في حضر.

 

نماذج أخرى من جهود العلماء وتضحياتهم في بلاد المغرب من القرن الثاني عشر وما بعده

......

جهود العلامة عمرطال

كذلك من هؤلاء المضحين في جمع هذا العلم العلامة الحاج عمر طال الذي خرج من بلاده وكان من رعاة البقر، فخرج لطلب العلم فنزل على عثمان فودي ، فرأى إقبال الناس على العلم فأعجب بذلك، فجلس يطلب العلم ويدرسه حتى أصبح من أنبه طلاب العلم، ثم خرج إلى مصر فدرس منها ثم حج ورجع، فلما مر بـعثمان فودي رأى الجهاد على قوته، فخرج هو وأراد أن يقيم الجهاد في السنغال وزانبي وجنوب موريتانيا.

 

تضحيات العلامة عبد الوهاب بن الرشيد

وكذلك من هؤلاء المضحين في جمع هذا العلم العلامة عبد الوهاب بن الرشيد الناصري من أولاد الناصر، وقد كان رحمه الله مثالاً للجد في طلب العلم، فقد كان في سفر مع عدد من بني عمه، وكانوا يحملون السلاح في وقت الفتن والمعارك الداخلية بين القبائل، فرأى شيخاً في بادية له صاحب علم تأتيه الأطراف المتنازعة تتنافس على محبته وخدمته، فسأل فقال: لماذا يخدم أولاد الناصر فلاناً هذا؟ هل له عليهم دالة؟ هل قدم لهم خدمة؟ فقيل: لا. إلا أنه صاحب علم وتقوى. فقال: إذاً هذا الذي نال به ما نال، فلم ينله بالسلاح ولا بالقوة. فخرج هو مما كان فيه من السلاح وذهب لطلب العلم حتى برز فيه، وقد بذل في سبيله كثيراً من العناء، ويكفي من ذلك العناء الاجتماعي، فمن كان من حملة السلاح ونشأ فيه يشق عليه الخروج منه والذهاب إلى طلب العلم في المحاضر.

 

تضحيات العلامة محمد العاقل الديواني

وكذلك من المضحين في طلب هذا العلم الذين بذلوا فيه الشيء الكثير العلامة محمد العاقل الديواني ، وقد كان رحل في طلب العلم فخاض البلاد شرقاً وغرباً حتى جمعه وسافر على رجليه إلى (تمبكتو) ورجع واشتهر بتنوع المعلومات، حتى إن النابغة الغلاوي رحمه الله حين جاء إلى هذه المنطقة يطلب العلم -وقد كان شيخاً إذ ذاك- قال: لا أدرس على شيخ حتى امتحنه. وكان لديه امتحان واحد، وهو أنه إذا جلس بين يدي الشيخ يقول له: سأدرس. فإن قال له: (مشي). قبل منه، وإن قال له: أي كتاب تدرس تركه، فهذا هو الامتحان الذي يمتحن به الناس. فيقول: مر بعدد من الناس كلما أتى شيخاً قال له: سأدرس. فيقول له: وماذا تدرس؟ فيقول: لست صاحبي. ويتركه، حتى جاء إلى أحمد بن العاقل -وهو ابن هذا الرجل الذي ذكرنا- فقال له: أريد أن أدرس. فقال: مشي. فقال: أنت صاحبي. فلزمه فترة، وقد درس عند أحمد بن العاقل عدد من كبار العلماء منهم أخته خديجة ابنة العاقل التي هي شيخة المختار بن بونة الجكني .

 

العلامة ابن عبيد الديواني وتقسيمه العجيب لوقته

منهم كذلك العلامة ابن عبيد الديواني الذي اشتهر كذلك بالجد والتشمير في طلب العلم، وقد كان صاحب ذكاء مفرط ندر مثله في هذه البلاد، وقد كان فيما بعد يقسم وقته قسمة عجيبة، فقد حدثني جدي محمد علي بن عبد الودود عن العلامة يحظيه بن عبد الودود عن العلامة المختار بن ألما الديواني : أنه كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم يخرج فيقوم على رعاية بقر عنده حتى تحلب ويخرجها من مراحها إلى مرعاها ويخرج أولادها، ثم يجلس للتدريس حتى يقترب من وقت الزوال، ثم ينام قليلاً ثم يستيقظ فيصلي الظهر، ثم يبدأ في وقت التأليف، ثم بعد العصر يراجع بعض ما لديه من المؤلفات وبعض ما أملاه على الناس، ثم ينصرف للعناية بالمواشي والبهائم، وربما اعتنى كذلك بالبئر، فقد كان القيم على شأن الحي كله، ثم بعد صلاة المغرب يراجع للطلاب ويصححون عليه المتون، وكان عمره مشغولاً هكذا طيلة الوقت كله، فليس له وقت فراغ. وقد أخذ عنه هذا الهدي العلامة المختار بن ألما ، ثم أخذ عن العلامة المختار بن ألما عدد من تلامذته هذا الهدي، ومنهم ابنه العلامة محمد سالم بن ألما فلم يكن له وقت فراغ قط ولا رئي فارغاً قط، إما أن يشتغل بعلم وإما أن يشتغل بكسب دنيوي وإما أن يشتغل بعبادة.

 

جهود العلامة يحظيه بن عبد الودود

كذلك من هؤلاء المضحين العلامة يحظيه بن عبد الودود رحمه الله، وقد بذل الكثير في سبيل هذا العلم، فقد كان خرج إلى آل محمد سالم للدراسة، وكان آل محمد سالم إذ ذاك يأتيهم الطلاب والغرباء فيعلمونهم ويدفعون إليهم زكاة أموالهم، فيخرج الطالب من محضرتهم غنياً عالماً، فكان يحظيه من الذين أتوا للدراسة من الفقراء، فرأوا فيه الجد والتشمير، قال: وكان في مجلس محمد وجوه الناس وأبناء الأسر الكريمة يتنافسون في السبق في التدريس، وكان ذات يوم وهم في (تجريت)، فأراد الشيخ السفر وقد سافر أهله في آخر الليل وانتقلوا من مكانهم إلى مكان ناء، فتنافس الناس في السبق في الدراسة تنافساً عظيماً، قال: فأتيت الشيخ فقلت له: إذا بدأت اليوم بالتدريس آخذ عنك طلاب النحو جميعاً، فقال: (أبين ها الله)، وهي كلمة عامية معناها: وددت ذلك. قال: فبدأ بي ولم يدرس أحداً قبلي. فكان هذا مزية إذ ذاك عظيمة، مثلما يقول الأقدمون: كان من زينة الدنيا أن يقول الرجل: أخبرنا مالك. فكذلك كان البدء بالتدريس في أيام محمد بن محمد سالم مزية عظيمة. فلما درسه دَرْسَهُ من الفقه انتقل إليه طلاب النحو، فجعل يدرسهم حتى أكمل الدرس في وقت الظهيرة وليس معه ماء، فخرج يشتد عدواً في أثر الذين ركبوا في الصباح الإبل، وجاءت الرياح على آثارهم فطمست الأثر، ولم يزل يشتد في عدوه حتى لقي بعد العصر إبلاً تساق لـ(بني دليم)، فظن أنها من إبل المشايخ، فخرج فيها فتعب تعباً شديداً، فلما كان من الليل أناخوا، فاضطجع في جانب هذه الإبل وقد دميت أظفاره وتفطرت رجلاه من المشي في الحجارة وليس له نعلان، ومن الجوع والعطش. فيقول عن نفسه: فنظرت فإذا أنا بتلك الحال، فقلت بالعامية قولاً معناه أن كل ما كان من المصائب في سبيل الحصول على هذا العلم لن يصرفه ولن يصده عن وجهته، وهكذا شأن كل صبور جلد إذا جاءت المصائب والنكبات تذكر ما وراءها فصمد وصبر. فاستمر في طريقه أياماً وليالي صبر فيها على الجوع والعطش والألم والسهر حتى وصل إلى الشيخ، قال: فلقيت الشيخ يشرح الدرس، فلما سمعت صوته من بعيد وهو يشرح ذهب عني كل ما كان بي من العناء. وهكذا شأن الطلاب الأوفياء، فإن أحدهم إذا سمع شرح الشيخ من بعيد زال عنه كل عناء وتعب، فهذا الحسن بن زين القناني رحمه الله كان من طلاب العلامة عبد الودود بن عبد الله الألفغي، وكان عبد الودود شديداً جداً على طلابه؛ لأنه يريد تكوين الرجال، كما كان هو يقول: أنا أريد تعليم الرجال ولا أريد تعليم الدجاج. ولذلك يقول: لقد مزقت قلبي بضعف جفونها كما مزقت ..... عمداً كتابيا وذلك من تشدده على طلابه، وكان الحسن بن زين صاحب ذكاء وجد، فكان عبد الودود يحبه ويقدمه على غيره من الطلاب، قال الحسن رحمه الله: سافر عبد الودود في سفر له فخرجت أنا إلى شيخه بُلاّ الشقروي، فأتيته من الليل فإذا صوته من بعيد -وهو يشرح قول ابن مالك رحمه الله-: وبعد فا جواب نفي أو طلب محضين أن وحذفها حتمٌ نصب قال فسمعته يقول: وبعد فا جواب نفي أو طلب محضين أن وحذفها حتم نصب وهذا هو النطق الفصيح بالفاء، وكان الناس ينسبونه لـ(بني حسن)، وهو نطق الفاء الفصيح، قال: فسمعته يقول هذا البيت فزال عني كل ما كان معي من النصب والتعب، فتركت بقرتي لم أربط ولدها. وليس له إذ ذاك مذاق ولا غذاء إلا من لبن بقرته، فلم ينتبه لها عندما سمع صوت الشيخ وأقبل على طلب العلم وجلس بمجلس الشيخ للطلب.

 

جهود العلامة أحمد بن سليمان الديواني

وكذلك من الذين بذلوا كثيراً وضحوا في سبيل جمع هذا العلم من أهل ذلك العصر العلامة الشيخ أحمد بن سليمان الديواني، وقد رحل إلى الشيخ سديه في طلب العلم، ومكث عنده زماناً حتى توفي الشيخ سديه فتركه مكانه للتدريس. حدثت أنه كان يختم على أولاده القرآن، يقرأ على كل عضو منهم ختمة يريد بذلك شغلهم بكتاب الله وتحبيبه إليهم، وكذلك كان أولاده من بعده، فهذا الشيخ سيدي محمد بن الشيخ أحمد يصف حال المحضرة الموريتانية ومنافسة الناس في طلب العلم فيها فيقول: فمن لي بأصحاب كرام أعزة يكونون أصحابي وأصحبهم دهرا يخوضون في كل العلوم بفهمهم فهذا بذا أدرى وذاك بذا أدرى فمن منشد بانت سعاد ومنشد خليلي غضا أو تذكرت والذكرى ومن منشد بان الخليط ومنشد ألا عم صباحاً أو قفا نبك من ذكرى إلى آخر القصيدة التي يقول في آخرها: ومن جائبٍ عيشاً كبيراً لقومه ومن جائب لحماً ومن جائب تمرا وهذا أيضاً من ثقافة المحضرة، فقد كان بينهم من التعاون في الغذاء ما كان بينهم من التعاون في العلم أيضاً، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أثنى على الأشعريين أنهم كانوا إذا أرملوا جمعوا أزوادهم في ثوب فاقتسموها بإناء، قال: فهم مني وأنا منهم. وقد كان طلاب المحضرة يتحلون بذلك. ولهذا فإن الشيخ محمد بن الأمين بن الددو رحمه الله كان ذات يوم في طلاب العلامة يحظيه بن عبد الودود ، فكان وقت الظهيرة وهم يبنون عريشاً لهم في أوج الحر والصيف، فقال: كسا الله يا أهل العريش عريشكم بشرب لدى وقت الظهيرة سلسل وعيش يرى وسط الإدام كأنه كبير وناس في بجاد مزمل فرآهم يحظيه يضحكون فسأل عن السبب، فأنشدوه الأبيات فأمر لهم بذلك. هذا الحال قد اشتهر في كثير من طلاب المحضرة، فقد كانوا يتعودون على الجوع والنصب ويسهرون الليالي ذوات العدد، ولذلك يصف العلامة أممو زكني طلاب العلامة يحظيه بن عبد الودود رحمهم الله أجمعين بقوله: من بكر وضاح لهم مثابرة لفني دهمان العشاء الآخرة أي أنهم من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء وهم يثابرون في الدرس لا يقطعونه إلا للفريضة، وهذا ما أخذوه عن يحظيه بنفسه، فقد كان في أيام الطلب عند محمد بن محمد سالم يقول: مكثت تلك الفترة لا أكمل التسبيح بعد الصلاة انشغالاً بالعلم، فكان يقول: (السلام عليكم ورحمة الله) من الفريضة فيقول لزميله عبد اللطيف ............ -وكان عبد اللطيف زميله في الدرس- فيقول له: هذا درس من مختصر خليل . وكذلك فقد خرج يحظيه ذات ليلة حين أرسله الحسن بن زين للإتيان بعدة يسقي غنمه، فقال: حان وقت صلاة المغرب فجلست لأصلي المغرب عند نار قد أوقدت في شجرة، فلما صليت المغرب أعجبني ضوء النار، ففتحت كتابي -وقد كان إذ ذاك يدرس باب الإضافة من الألفية- فما زلت أقلبها وأراجعها حتى انتشر ضوء الفجر، ولم أشعر بصلاة العشاء ولا بخروج وقتها ولا بأي انشغال آخر استغراقاً في الدرس وقد وصف العلامة محمد علي بن عبد الودود رحمه الله طلاب العلامة يحظيه إذ ذاك بقوله: لي جيرة كنجوم الصحو غران شم طهارا ثياباً أينما كانوا من كل قطر تؤاخي بينهم كرماً هماتهم وغروم القوم شذان يزدان بالعلم أهل العلم كلهم والعلم من جيرة يسم ويزدان لا أستلذ مقاماً بينهم فرقاً من الفراق ولا آسى إذا بانوا وقد وصف الشيخ محمد علي أيضاً طلاب المحضرة بقوله: فهذا وقير آمن في ثغائه وقار بأمن من حزمِّ كلال وأقصاص طلاب العلوم أمامهم موقرة من هيبة وجلال وأكثر طلاب المدارس همه بيان حرام أو بيان حلال وعمارها من كل ضنأ كريمة كريم كلال من كريم خلال أغرك مصباح الظلام بل إنه كمثل كلال العارض المتلالي يظلون لا يألون حتى كأنهم وليس بهم داع مراض سلال يقيمون فرض الخمس عند ندائها نداءً للأعمى أو نداء بلال

 

جهود العلامة سديه

كذلك من الذين اشتهروا بهذه التضحية من النماذج المشهورة العلامة الشيخ سديه ، فقد خرج من أهله وهو في الحادية والأربعين من عمره، وخرج لطلب علم الحديث والقرآن، فخرج على رجليه إلى (تشيد)، وأقام فيها فترة طويلة ولم يرجع إلى هذه البلاد إلا بعد أن جاوز الستين من عمره، وجاء بعلم جم، وبدأ التعليم والتدريس، وكان يقول لطلابه: ما ابيض وجه باكتساب كريمة حتى يسوده شحوب المطلب وكان كثيراً ما يتمثل بأبيات سيدي أحمد بن عبد العزيز الهلالي إذ يقول: تصدر للتدريس كل مهوس بليد تسمى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديم شاع في كل مجلس لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامها كل مفلس

 

انحسار العلم والعلماء والدعوة إلى إحيائه

كذلك فإن حال المحضرة استمر إلى هذا الوقت حتى أدركنا الناس وهم هكذا يصنعون، وأدركت كذلك كثيراً من كبار السن الذين فنيت أعمارهم في المحاضر يطلبون العلم فيها، ومنهم الشيخ الراجل بن عبدولي رحمه الله فقد عاش فوق التسعين، وما عرفت أنه عاش إلا في محضرة، ولم يستحل مقاماً قط إلا في محضرة، فكل وقته كان في طلب العلم حتى لقي الله. وقد كان يدرس معي وأنا صغير جداً وهو فوق الثمانين من عمره، كان زميلاً لي في الدراسة، وهكذا عدد كبير من كبار السن الذين ضحوا وبذلوا في سبيل بقاء هذا العلم وانتشاره، أما اليوم فقد بدأ التراجع وبدأ الحال على ما نرى، فقد أتيت مرة من المرات مدينة (قرو) -وقد كانت معقلاً من معاقل العلم- فاجتمع عليَّ كبار السن فيها فسألتهم: أيها الشيوخ! قبل ثلاث سنوات كم كان هنا في هذه المدينة من العلماء؟ قالوا: عدد كبير. وبدؤوا يحصونهم. فقلت: لكن كم تعدون الليلة فيها من العلماء؟ فبكوا ولم يتذكروا ممن يشيرون إليه إلا شخصاً واحداً أو شخصين. هذا الحال ليس مختصاً بتلك المدينة بل هو في كل المدن، بل أعرف بعض الولايات التي كان الناس يضربون إليها آباط الإبل في طلب العلم وقد انتقل منها هذا العلم بالكلية، ولم يبق فيها من يدرس الآن. إن هذا يقتضي منا أن نعيد إلى المحضرة دورها في حياتنا، وأن نخرج من أبنائنا وأجيالنا الصاعدة قوماً يضحون مثل تلك التضحية ليعيدوا لنا هذا العلم الضائع المسلوب المنهوب، وليعيدوا إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم مكانتها، وإني لأرى وجوهاً حبست أنفسها في الحر وفي العرق وهي تطلع على هذا الكلام الذي كثيراً ما يعرف هو وأمثاله؛ أرى فيها إن شاء الله تعالى من سيهتمون بهذا الأمر وينافسون فيه ولا يدعون مكانهم لغيرهم. وأرى في الوجوه المتوقدة التي تنظر إلى هذا الكلام بعناية أقواماً سيكونون ممن يشار إليهم -إن شاء الله تعالى- بالبنان في العلم والعمل، وأرى أن من يطلعون على كلامي يعلمون أن هذا العلم كنز لا ينفد، وأنه خير من التنافس فيما يتنافس فيه الناس من حطام هذه الدنيا الفانية، وأن من عرف سيبلغ من وراءه، وأن النساء كذلك سيسعين لتربية الأولاد العلماء العاملين الذين يعيدون لهذه الأمة مجدها ويستردون لها تراثها، ولا شك أن فيهن أيضاً من تسعى لأن تكون عالمة ولأن تكون مدرسة قائمة بهذا الأمر كما كان عدد من الشيخات في هذه البلاد وغيرها. نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا قرة عين لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يلزمنا التمسك بسنته عند فساد أمته، وأن يجعلنا أجمعين من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. ......

 

لا يوجد بث مباشر الان
ملفات خاصة وقضايا معاصرة