المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تربية النبي لأصحابه


سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:35 PM
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

قال الله تعالى:" لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ "[التوبة: 128].
يقول الإمام السعدي -رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة:
(( يمتن تعالى على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم ، يعرفون حاله ، ويتمكنون من الأخذ عنه ، ولا يأنفون عن الانقياد له ، وهو صلى الله عليه وسلم في غاية النصح لهم ، والسعي في مصالحهم .
" عزيز عليه ما عنتم "
أي : يشق عليه الأمر ، الذي يشق عليكم ويعنتكم .
" حريص عليكم "
فيحب لكم الخير ، ويسعى جهده في إيصاله إليكم ، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان ، ويكره لكم الشر ، ويسعى جهده في تنفيركم عنه .
" بالمؤمنين رؤوف رحيم "
أي : شديد الرأفة والرحمة بهم ، أرحم بهم من والديهم . ولهذا كان حقه مقدما على سائر حقوق الخلق ، وواجب على الأمة الإيمان به ، وتعظيمه ، وتوقيره ، وتعزيره )).

التربية هي تنمية الشخصية عبر مراحل العمر المختلفة؛ بهدف تكوين المسلم الحق الذي يعيش زمانه، ويحقق حياة طيبة في مجتمعه على ضوء العقيدة والمبادىء الإسلامية التي يؤمن بها.
من الشمولية في هذا المفهوم تجاوز التربية الحزبية الضيقة بين العاملين من أبناء الأمة إلى التربية الواسعة الآفاق في العمل الاجتماعي.

غير أن القرآن الكريم قد وجه هذه العاطفة القوية من الحب إلى نشاط وعمل، فالحب الذي قرره القرآن هو حب الاتباع، حب الأسوة الحسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن مظاهر معاملته مع أصحابه فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّم أصحابه السنّة قولا وعملا ويحضّهم على الأخذ بها من رحمة الله ما حصل للصحابة من لين رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم واستغفاره لهم والدعاء لهم ومشاورتهم.

والمواقف التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام في السراء والضراء، والرخاء والشدة, ومن مظاهر تعامله مع الصبيان كان إذا سمع بكاء الصبي في الصلاة تجوّز في صلاته مما من شدة أمه من بكائه, يزور البقيع فيتذكر الآخرة ويبكي.

وعلى الرغم من انشغال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد ومجالدة الشرك وأهله، إلا أنه كان دائمًا مع أصحابه مخالطًا ومعايشًا ومُرَبِّيًا وموجِّهًا، ومعلِّمًا لهم على اختلاف أحوالهم وأعمارهم، ولا يترك موطنًا من مواطن الزلل أو جانبًا من جوانب الخطأ إلا وأصلحه وبينه، ولا موطنًا من مواطن الخير إلا حثّهم عليه ورغبهم فيه.

فكان يؤاكل أصحابه فربما حضر الطعام معه الأعرابي حديث عهد بالإسلام ، أو الغلام والجارية ممن لا يعرف آداب الطعام والشراب فيأخذ صلى الله عليه وسلم بأيديهم ويعلّمهم ويربِّيهم.
وروى البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة يقول : كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يَا غُلامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ)) فما زالت تلك طعمتي بعد.

وكان يبرز للناس كلِّهم ويبايع الوفود بنفسه ولا ينيب عنه أحدًا من أصحابه، ولا يكتفي برئيس الوفد بل يبايعهم واحدًا واحدًا، وأحيانًا يجيء الرهط من الناس ليبايعوه على الإسلام فيرى في أحدهم مظهرًا من مظاهر الشرك من بقايا الجاهلية فيأبى أن يبايعه حتى يزيله ، وقد أخذ بهذا المنهج صحابته الكرام رضي الله عنهم.

وكان صلى الله عليه وسلم يداعب أصحابه ويلاعب أطفالهم روى مسلم عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عمير قال أحسبه قال كان فطيما قال فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال : ((أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ)) قال: فكان يلعب به .

أما خدمه ومواليه فلم يكن يكلّفهم من العمل ما لا يطيقون، ولم يبكتهم يومًا ما أو ينهرهم فضلاً عن أن يضربهم، بل إنهم لم يسمعوا منه مجرّد التأفّف عليهم.
قال أنس رضي الله عنه: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته لم فعلت كذا وكذا، أو لشيء تركته هلا فعلت كذا وكذا.

وربما قام صلى الله عليه وسلم بالتعليم وهو على حمار مردفًا لأحد أصحابه وذلك بتكرار النداء وفي هذا إثارة انتباه السامع. يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ : ((يَا مُعَاذُ)) قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك . ثم سار ساعةً ، فقال : ((يَا مُعَاذُ)) ، قلت : لبيك رسول الله وسعديك . ثم سار ساعةً فقال : ((يَا مُعَاذُ بن جبل)) ، قلت : لبيك رسول الله وسعديك . قال : ((هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟)) قلت الله ورسوله أعلم قال : ((فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)) فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ : ((لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا)) رواه البخاري ومسلم .

وكان صحابته يرجعون إليه في كل شيء حتى في مخالفات الأطفال، فيتعامل معها صلى الله عليه وسلم بأسلوب تربوي عظيم بما يتناسب مع سنّ الصغير ومرحلة الطفولة.

يصف الصحابة رضوان الله عليهم مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم لهم في جميع حياتهم حضرها وسفرها، وتفقده لأحوالهم الخاصّة والعامّة، فيقول أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه : ((إِنَّا وَاللَّهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا وَيَغْزُو مَعَنَا وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ)) رواه أحمد . .

وقد اختار صلى الله عليه وسلم من أساليب التعليم أحسنها وأفضلها، وأوقعها في نفس المخاطب وأقربها إلى فهمه وعقله ، وأشدّ تثبيتًا في نفسه، وأكثرها إيضاحًا: فتارةً يؤكّد لهم التعليم بالقسم، وتارةً بالتكرار، وأخرى بالنداء، وأحيانًا بإبهام الشيء لحمل السامع على استكشافه والسؤال عنه كما في حديث أبي هريرة عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ)) قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال : ((الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ)) رواه البخاري ومسلم .

وأحيانًا يعلّمهم بأسلوب الشرح والبيان والتوضيح، وترتيب النتائج على مقدماتها كما في حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ)) رواه النسائي .

وأحيانًا يأتي تعليمه بالمناسبات العارضة كما في قصّة الرجل الذي حلف بغير الله ، كما روى سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلا يقول: لا والكعبة فقال ابن عمر: لا يحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ)) . قال أبو عيسى هذا حديث حسن .

وأحيانًا يأتيه الأعرابي الجافي فيغلظ للرسول الله صلى الله عليه وسلم القول ، وربما يستطيل بيده على طبيعة الأعراب من العنف والجفاء ، فيبتسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويجيبه إلى طلبه بحسن خلق وسموّ معاملة.

وإذا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكر انتدب له رجلاً من صحابته ليقوم بإزالته، فقد روى لنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه بمهمّة وهي تسوية القبور بالأرض وعدم رفعها، وطمس التماثيل والصور .
روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته ، وفي رواية قال : ولا صورة إلا طمستها.

ولم يكن رسول الله يخصّ أحدًا من أقاربه بعلم دون الناس .

وكان صلى الله عليه وسلم لا ينفكّ عن التعليم والتوجيه في حال الصحة والمرض فقد كان بعض نسائه يقصصن عليه بعض القصص وهو في مرضه، لعلّ ذلك من أجل تسليته. ففي البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية وكانت أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فرفع رأسه فقال : ((أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ)) .
فعلى الرغم من مرضه صلى الله عليه وسلم استدرك على نسائه وبيّن ضلال أولئك النصارى حيث اتخذوا المساجد على قبور الصالحين وصوّروا صورًا فيها .

وقد تعامل مع أخطاء الأعراب الجفاة بالحكمة والتأني مع الحلم والصبر عليهم والصفح عنهم ، وحسن توجيههم وإرشادهم وتربيتهم ، مع غاية الرحمة والرأفة بهم .
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه! قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تُزْرِمُوهُ (أي لاتقطعوا عليه بولته) دَعُوهُ)) فتركوه حتى بال ثم إن رسول صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له : ((إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ)) أو كما قال رسول صلى الله عليه وسلم قال : فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه. رواه البخاري ومسلم .

وكان لطيفًا رحيمًا رقيقًا في معاملته لأصحابه وفي تعامله مع أخطائهم .
يصف لنا ذلك معاوية بن الحكم السلمي فيقول - كما في صحيح مسلم - عن معاوية بن الحكم السلمي قال : بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت : يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت : واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال : ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)) أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وكما نعلم جميعا، لقد ضرب نبينا صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الشجاعة والصبر أثناء جهاده في سبيل الله.
تعلموا الشجاعة والإقدام.. كما روت السيرة عنهم أنهم كانوا إذا حمي الوطيس في المعركة احتموا برسول الله -صلى الله عليه وسلم.

وهكذا تعلموا كل الأخلاق، في كل شئون الحياة، فسعدوا وأسعدوا كل من تعامل معهم.. سعدوا وأسعدوا الكون كله.


وسبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك

بعض المقاطع مأخوذة من كتاب (فن التعامل) لـ :عدنان محمد سعيد باحكم

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:36 PM
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم

لماذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم ؟
ترتفع الرؤوس كثيراً اليوم، ويتطلع منظرو التربية في العالم الإسلامي إلى فلاسفة التربية الغربية ورموزها؛ فهم الذين نظَّروا لهذا العلم ورسموا خطوطه العريضة، والمؤلف الناضج والكاتب الرصين هو الذي يدبج مقاله بالنقل عن علماء الغرب وأساتذته، والتربية عند هؤلاء علم حديث النشأة إنما بدأ مع العصر الحديث: عصر النهضة والتقدم العلمي.

ونحن إذ لا ننكر ما بذله علماء الغرب من جهود في هذا العلم وغيره، ولا نغلو فندعو المسلم إلى هجر ورفض جميع ما عند أولئك - نحن إذ لا نقف هذا الموقف- فلسنا بحال مع من يدعو الأمة إلى أن تختزل تاريخها، وتطوي صفحاته، فتغضَّ الطرف جهلاً أو تجاهلاً، وتهيل الركام على تراثها الحق.

لقد بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم في أمة سيطر عليها الجهل، واستولت عليها الخرافة، فصنع بإذن الله منها أمة حاملة للهداية للبشرية أجمع، أمة حاملة منهج العلم، ومنهج التعليم والتفقه

لقد وصف الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه معلم فقال [هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين] (الجمعة: 2).

وامتن على المؤمنين بذلك [ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين] (آل عمران: 164).

وقال : [كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون] (البقرة :151).

وما أجمل ذلك الوصف، وأبر هذا القسم الذي صدر من معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه" فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه" (رواه مسلم ( 537 ).).
بل وهل يظن مسلم أن يوجد أسمى وأعلى، وأشرف منه صلى الله عليه وسلم معلماً ومربياً، بل وهل يظن ظان أن سيرد مشرب التعليم والتربية من غير حوضه، أو يدخل إلى ساحة البناء دون بابه.
فما أحوجنا معاشر المعلمين والمربين إلى التماس هديه صلى الله عليه وسلم في التعليم، والتأسي بسنته، وهل ثمة رمز نتطلع إليه، وموجه نتلقى منه غيره؟
ومن ثَمَّ كانت هذه المحاولات لتلمس بعض معالم هديه صلى الله عليه وسلم في التعليم

أولاً :إيجاد الدافع للتعلم
لا شك أن للترغيب في العلم دوراً كبيراً في إيجاد الحماسة لدى طالب العلم للتعلم؛ إذ هو مهما علت حماسته وارتفعت عزيمته، لايخلو من أن تعصف به رياح الكسل، ويصيبه العجز والفتور، ومن ثم كان لابد من تعاهد هذه النبتة بالرعاية، وهو أمر لا يمكن أن يغفل عنه معلم البشرية صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يسلك مبدأ إثارة الدافع لدى المتعلم من خلال:
أ - بيان فضل العلم وطلبه: فيقول صلى الله عليه وسلم :"من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتهارضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً؛ إنما ورثوا العلم؛ فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر"(رواه الترمذي (2682) وأبو داود (3641) وأحمد (21208) وابن ماجه (223).).

وحين جاء ثلاثة نفر وهو جالسٌ مع أصحابه، فجلس أحدهم خلف الحلقة، والآخر رأى فرجة فجلس فيها، وأما الثالث فأعرض.قال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك:"أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه"(رواه البخاري (66) ومسلم (2176).).

ب - إشعار المتعلم بحاجته إلى العلم: فحين جاء المسيء صلاته وصلى قال له النبي صلى الله عليه وسلم :"ارجع فصلِّ فإنك لم تصل". فأعاده صلى الله عليه وسلم مراراً حتى أحسَّ - رضي الله عنه - بالحاجة للتعلم فقال:"والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني"( رواه البخاري (757) ومسلم (397) ).
وفرق بين أن يعلمه صلى الله عليه وسلم ابتداءً، وبين أن يشعر هو بحاجته للعلم فيأتي سائلاً باحثاً عنه

ثانياً: جمعه بين التعليم والتربية
فقد وصفه الله سبحانه وتعالى بذلك فقال: [هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ] (الجمعة : 2). فمن وظائفه صلى الله عليه وسلم تعليم العلم، والتزكية، وتلاوة الكتاب على أصحابه. ولذا لم يكن صلى الله عليه وسلم يخرج أقواماً يحفظون المسائل فقط، بل ربَّى أصحابه تربية علمية، وتربية جهادية، وقيادية، وإدارية، وقبل ذلك كله تربية إيمانية، فهذا حنظلة- رضي الله عنه - يحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشهد معه مجالس التذكير والعلم، فكأنه يرى الجنة والنار(رواه مسلم (2750).) فهي إذاً مجالس مع ما فيها من التحصيل المعرفي تنقل المسلم بمشاعره إلى الدار الآخرة، وما يلبث أن يظهر ذلك على سلوكه وهديه.
ففي تربيته العلمية لأصحابه لم يكن صلى الله عليه وسلم يقتصر على تعليم أصحابه مسائل علمية فقط، بل ربَّى علماء ومجتهدين، وحملة العلم للبشرية. ولقد ظهرت أثار هذه التربية على صحابته بعد وفاته في مواقفهم من حادثة الردة، وجمع القرآن، وشرب الخمر، واتخاذ السجون، والخراج، وغير ذلك من المسائل التي اجتهد فيها صحابته رضوان الله عليهم، فلم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام النوازل التي واجهتهم، واستطاعوا أن يتوصلوا فيها للحكم الشرعي، ولقد واجه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دولة ممتدة الأطراف، متنامية النواحي، وتعاملوا مع أصناف أخرى من الشعوب، وأنماط جديدة من المعيشة والسلوك، واستطاعوا أن يستوعبوا ذلك كله. كل ذلك كان نتاج التربية العلمية التي ربَّاهم عليها صلى الله عليه وسلم.

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:37 PM
ومن معالم تعليمه المنهج العلمي:

1 - كان يعودهم على معرفة العلة ومناط الحكم
فلما سئل عن شراء التمر بالرطب، قال:"أينقص الرطب إذا يبس؟" قالوا:نعم فنهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك (رواه أبو داود (3359)والنسائي (4545) والترمذي (1225) وابن ماجه (2264).)، وقد كان معلوماً له صلى الله عليه وسلم ولغيره أن الرطب ينقص إذا يبس، لكنه أراد تعليمهم مناط الحكم وعلته

وحين نهاهم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها قال لهم : "أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟"(رواه البخاري (2198) ومسلم (1555).).

وحين قال صلى الله عليه وسلم :"وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا له: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: :"أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجراً"(رواه مسلم ( 1006 ).).

ففي هذه النصوص علَّم صلى الله عليه وسلم أصحابه علةَ الحكم ومناطه، ولم يقتصر على الحكم وحده.

2 - كان يعودهم على منهج السؤال وأدبه
ففي موضع يقول:"إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرِّم من أجل مسألته" (رواه البخاري ( 7289 ) ومسلم ( 2358 ).) .

وفي آخر يقول:" إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"(رواه البخاري (1477) ومسلم (1715).). فهاهنا يذم السؤال لكنه في موضع آخر يأمر بالسؤال، أو يثني عليه فيقول:"ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال" (رواه أحمد (3048) وأبو داود (336) وابن ماجه ( 572 ) .). ويقول:"لقد ظننت يا أبا هريرة أن لايسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث"(رواه البخاري ( 99 ).).

ولا يمكن أن يخلو متعلم من السؤال والحاجة إليه، ومن هنا كان عليه أن يتعلم متى يسأل؟ وعم يسأل؟ ومن يسأل؟ وكيف يسأل؟ وهو منهج سعى صلى الله عليه وسلم لتأكيده، وتعليمه لأصحابه

3- كان في إجابته لا يقتصر على موضع السؤال بل يجيب بقاعدة عامة
سئل: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فلم يقتصر صلى الله عليه وسلم في إجابته على قوله نعم، وإلا كان الحكم قاصراً على الحالة موضع السؤال وحدها. إنما أعطاه حكم ماء البحر وزاده فائدةً أخرى يحتاج إليها حين قال:" هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (رواه أبو داود ( 83 ) والترمذي ( 69 ) والنسائي ( 332 ) وأحمد (7192) وابن ماجه (386)وصححه). ويعنى هذا أن ماء البحر له سائر أحكام الماء الطهور، وليس فقط يجوز الوضوء به في هذه الحالة.

وسئل صلى الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال:"لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرنس، ولا ثوبا مسه زعفران ولا ورس…"(رواه البخاري (1842) ومسلم (1177).). فلم يعدد له ما يجوز للمحرم لبسه؛ إنما أعطاه قاعدة عامة فيما لا يحل للمحرم لبسه؛ ليعلم أن ما سواه غير محظور.

4 - تربيته لأصحابه على منهج التلقي:
عن العرباض بن سارية- رضي الله عنه - قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب، قلنا أو قالوا: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فأوصنا، قال:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً؛ فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة"(واه أحمد (16694)الترمذي ( 2157 ) وأبو داود ( 4607 )وابن ماجه (42 ). ) .

وقال في وصف الطائفة الناجية:"من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
فهو هنا يسن لهم الطريق، ويرسم لهم المحجة. وحين يرى خللاً في هذا المنهج، أو اعوجاجاً فإنه يأخذ بيد صاحبه، فحين رأى مع عمر صحيفة من التوراة غضب، ونهاه عن ذلك، وقال:"أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني"(رواه أحمد ( 3/387 ) والدارمي ( 1/115 ).) .
إن المعلم الحق هو الذي يعطي المتعلم الأداة التي يصل من خلالها إلى النتيجة بنفسه، لا الذي يعوده في كل موطن أن يملي عليه موقفاً محدداً

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:38 PM
- تربيتهم على منهج التعامل مع النصوص:

إن التعامل مع المصادر الشرعية دون سواها، ليس نهاية الطريق، إنما هو مرحلة مهمة وأساسة، ويبقى بعد ذلك كيفية التعامل مع هذه المصادر، وهو ما سلكه صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه وتربيتهم.
خرج صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتكلمون في القدر، وكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب قال: فقال لهم:"ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم" ( رواه أحمد ( 2/196 ) وابن ماجه ( 85 ) وقال في الزوائد :( هذا إسناد صحيح ). وصححه أحمد شاكر .) .
ولقد ضل فئام من المبتدعة، حين تنكبوا هذا المنهج، وانحرفوا عن هذا الهدي، فما أحوج المعلمين إلى تسنم ذرى هذا المنهج، فيربون طلابهم على تعظيم النص، وإجلال كلام الله ورسوله، والوقوف عند نصوص الوحيين، والبعد عن التلاعب بالنصوص وضرب بعضها ببعض.
فالجدير بنا معشر المدرسين أن نعلِّم طلابنا أن هناك أطراً للبحث لا تتعداها؛ فالمسائل الشريعة التي ثبتت بالنص لا مجال للمناقشة فيها، أو جعل الدين في معامل الاختبار الفعلية.
6 - تعويدهم على الاستنباط:

سأل صلى الله عليه وسلم أصحابه يوماً، فقال:"إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟" فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله - يعني ابن عمر-: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال:"هي النخلة"( رواه البخاري (61) ومسلم (2811) ).
وجاء رجل ذات يوم فقال: رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل، فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:اعبرها. قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرْني يا رسول الله - بأبي أنت - أصبتُ أم أخطأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم :"أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً" قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت، قال:"لا تقسم" ( رواه البخاري (7046) ومسلم (2269) وانظر النظرية التربوية في طرق تدريس الحديث النبوي ليوسف) .
وما أحوج الأمة في هذه المرحلة إلى التربي على المنهج العلمي، وعدم الوقوف عند حفظ المسائل المجردة، أو الجمود على المتون والمختصرات والحواشي.
7 - تعويدهم على المناقشة والمراجعة:

وتروي لنا هذا المنهج عنه صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها- فقد كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من حوسب عذب" قالت عائشة: فقلت: أوليس يقول الله تعالى: [فسوف يحاسب حساباً يسيرا] ؟ قالت : فقال:"إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك"( رواه البخاري (103 ) ومسلم (2876).وانظر أساسيات في طرق التدريس العامة . لمحب الدين أبو صالح) . والقضية ليست سلوكاً ذاتياً لعائشة رضي الله عنها -وإن كان ذاك محل تقدير واحترام - بل هو مما تعلمته واعتادته من المعلم الأول صلى الله عليه وسلم.
وبعد هذه الجولة مع هدي المعلم الأول في العناية بتعليم المنهج العلمي نشعر أن تساؤلاً يفرض نفسه، ويقفز إلى أذهاننا: هل نحن نعنى بتعليم طلابنا وتهيئتهم ليكونوا أهل علم يستنبطون ويبدعون ويبتكرون؟ أم أننا نربيهم على تلقي أقوال أساتذتهم بالتسليم دون مراجعة وربما دون فهم لمضمون القول؟
هل نرى أن من أهدافنا في التعليم أن نربي ملكة التفكير والإبداع لدى طلابنا، وأن نعودهم على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، وعلى الجمع بين ما يبدو متعارضاً؟
وهل من أهدافنا تربيتهم على تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع التي يرونها؟
إن المتأمل في واقع التعليم الذي نقدمه لأبنائنا يلحظ أننا كثيراً ما نستطرد في السرد العلمي المجرد، ونشعر بارتياح أكثر حين نقدم للطالب كمًّا هائلاً من المعلومات، والطالب هو الآخر يقيس مدى النجاح والإنجاز بقدر ما يسطره مما يسمعه من أستاذه، والتقويم والامتحان إنما هو على أساس ما حفظه الطالب من معلومات، واستطاع استدعاء ذلك وتذكره.
وشيء من ذلك حق، لكن توجيه الجهد لهذا النوع وهذا النمط من التعليم لا يعدو أن يخرج جيلاً يحفظ المسائل والمعارف - ثم ينساها بعد ذلك - أو يكون ظلاً لأستاذه وشيخه.
ولأن تعلم الجائع صيد السمك خير من أن تعطيه ألف سمكة.
وحتى دروس المساجد وحلق العلم ليست بأحسن حظاًّ، ولا أفضل حالاً.
إن هذا يدعونا لمراجعة هادئة، مراجعة تتضمن أهدافنا وحجمها وأولوياتها، وتتضمن طرق التعليم والتدريس ووسائله وأساليبه.
والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس قاصراً على مسائل الطهارة والذكر والصلاة - وإن كانت من أولى ما يدخل في ذلك-بل هو معنى أشمل يظلل برواقه جوانب الحياة المختلفة، فيطبعها بهديه وسنته صلى الله عليه وسلم.
رابعاً:تربيته لأصحابه على القيام بواجب التبليغ:
عن أبي هريرة- رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" ( رواه أبو داود (3658) والترمذي (2649) وابن ماجه (266) وأحمد ( 2/236 ) وصححه أحمد شاكر .). والأمر لايقف عند طائفة خاصة، أو مستوى معين من التحصيل، بل يدعو صلى الله عليه وسلم حتى صغار المتعلمين، وأولئك الذين لم يبلغوا منزلة عالية في التحصيل، يدعوهم إلى المشاركة في تعليم العلم ونشره قائلاً:" بلغوا عني ولو آية"(رواه البخاري (3461). ) . وهي دعوة للمشاركة والمساهمة المنضبطة، لا فتحاً للباب لتصدير من تعلم مسألة واحدة.
وقال صلى الله عليه وسلم :"نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فَرُبَّ مبلغ أوعى من سامع" ( سبق تخريجه ) . وقد روى هذا الحديث أكثر من(16) من أصحابه مما يشعر أنه صلى الله عليه وسلم قاله في أكثر من مناسبة، أو قاله في أحد المجامع العامة تأكيداً لشأنه.
وانظر إلى أثر هذه التربية في قول أبي ذر - رضي الله عنه - :" لو وضعتم الصمصامة (السيف) على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها"( رواه البخاري تعليقاً كتاب العلم باب العلم قبل القول والعمل .).
ويتحرج معاذ- رضي الله عنه - فيرى أن من الإخلال بواجب العلم أن يكتم حديثاً سمعه منه صلى الله عليه وسلم مع أنه نهاه أن يحدث به الناس"هل تدري ما حق الله على عباده؟… "( رواه البخاري(6500) وموضع الشاهد برقم (128) ومسلم (32).) فيخبر- رضي الله عنه - به قبل موته تأثماً .
إن هذا كله بعض نتاج ما ورثه ذاك الجيل من المعلم الأول صلى الله عليه وسلم.
سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك
و صلى الله و سلم على محمد و على آله و صحبه و سلم

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:40 PM
مبحث معنى التربية لغة :
إذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية وجدنا لكلمة التربية أصولاً لغوية ثلاثة:
الأصل الأول: رَبا يربو بمعنى زادَ ونما، فتكون التربية هنا بمعنى النمو والزيادة، كما في قوله تعالى :] يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [[1] ، ] ... وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [[2] ، ] وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ [[3]

الأصل الثاني: رَبى يربي على وزن خفى يخفي،وتكون التربية بمعنى التنشئة والرعاية ، كما في قوله تعالى : ] قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [[4] ، ] وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [[5].
وعليه قول الأعرابي :
فمن يكُ سائلاً عني فإني *** بمكة منزلي وبها ربيتُ

الأصل الثالث: رب يرب بوزن مدّ يمدّ بمعنى أصلحه،وتولى أمره،وساسه وقام عليه ورعاه،كما في قوله تعالى : ] وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [[6] ، ] ...وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ... [[7] ، ] وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ [[8]

معنى التربية اصطلاحاً :-تختلف الآراء في تحديد مفهوم التربية باختلاف الظروف التاريخية والحضارية وباختلاف الأماكن – كما قد تختلف باختلاف نظرة المتخصصين، وقد وردت تعاريف كثيرة للتربية من قبل فلاسفة وعلماء اجتماع وسياسيين ونفسانيين.. ولكن لا تخرج تعريفاتهم بأي حال من الأحوال عن المعنى اللغوي للكلمة.

قال الإمام البيضاوي (ت685هـ): الرب في الأصل بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً، ثم وصف به تعالى للمبالغة.

وقال الراغب الأصفهاني (ت502هـ):الرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام.

ويمكن القول بصفة عامة أن التربية هي : عملية يُقصد بها تنمية وتطوير قدرات ومهارات الأفراد من أجل مواجهة متطلبات الحياة بأوجهها المختلفة – أو هي عملية بناء شخصية الأفراد بناء شاملاً كي يستطيعوا التعامل مع كل ما يحيط بهم ، أو التأقلم والتكيف مع البيئة التي يعيشون بها – وتكون التربية للفرد والمجتمع.

وعرف علماء التربية الحديثة (التربية) بأنها تغيير في السلوك.


مبحث الألفاظ والمصطلحات التي كانت تُستخدم في كتابات السلف للدلالة على معنى التربية كثيرة، فمنها ما يلي :
1) مصطلح التنشئة : ويُقصد بها تربية ورعاية الإنسان منذ الصغر ؛ ولذلك يُقال : نشأ فلان وترعرع . قال الشاعر العربي :
وينشأُ ناشئ الفتيان فينا …. على ما كانَ عَودهُ أبـوهُ

2) مصطلح الإصلاح: ويعني التغيير إلى الأفضل ، وهو ضد الإفساد ، ويُقصد به العناية بالشيء والقيام عليه وإصلاح اعوجاجه.

3) مصطلح التأديب أو الأدب : ويُقصد به التحلي بالمحامد من الصفات والطباع والأخلاق ؛ والابتعاد عن القبائح ، ويتضمن التأديب معنى الإصلاح والنماء.
و مصطلح الأدب أو التأديب مصطلحٌ شائعٌ ورد في بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، والتي منها :
* ما روي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لأن يؤدب الرجل ولده خيرٌ من أن يتصدق بصــاع" رواه الترمــذي، رقم الحديث 1951 ،
وقال: حديث غريب.
* وما روي عن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما نحل والدٌ ولده أفضل من أدبٍ حسن" رواه الترمذي رقم الحديث 1952 ،وقال: حديث غريب.
* وما روي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أكرموا أولادكم ، وأحسنوا أدبهم" رواه ابن ماجة رقم الحديث 3671.

4) مصطلح التهذيب : ويُقصد به تهذيب النفس البشرية وتنقيتها ، وتسويتها بالتربية على فضائل الأعمال ومحاسن الأقوال . جاء عند ( الفيروزآبادي ): "رجُلٌ مُهَذَّبٌ : مُطَهَّرُ الأَخْلاقِ" .كما جــاء في ( المعجم الوجيز ) :" وهَذَّبَ الصَّبيَّ رَبَّاه تربيةً صالحةً خالصةً من الشوائب " .

5) مصطلح التطهير :ويُقصد به تنـزيه النفس عن الأدناس والدنايا ؛ وهي كل قولٍ أو فعلٍ قبيح . وحيث إن للتطهير معنيين أحدهما حسيٌ ماديٌ والأخر معنوي ؛ فإن المقصود به هنا المعنى المعنوي الذي يُقصد به تطهير سلوك الإنسان من كل فعلٍ أو قولٍ مشين .

6) مصطلح التزكية : ويأتي بمعنى التطهير ، ولعل المقصود بذلك تنمية وتطهير النفس البشرية بعامةٍ من كل ما لا يليق بها من الصفات السيئة ، والخصال القبيحة ، ظاهرةً كانت أو باطنة . قال تعالى : كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ( البقرة : 151) . وقد جاء في تفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي أن المقصود بقوله تعالى : "ويُزكيكم" في هذه الآية : " أي يُطهر أخلاقكم ونفوسكم ، بتربيتها على الأخلاق الجميلة ، وتنـزيهها عن الأخلاق الرذيلة ".
وقال تعالى : قد أفلح من زكَّاها  ( الشمس : 9 ) . وقد جاء في بيان معنى هذه الآية عند ( ابن كثير) قوله : " وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل ". ومعنى هذا أن تزكية النفس تعني تربيتها على الفضائل وتطهيرها من الرذائل .

7) مصطلح التعليم : وهو مصطلح شائع ورد ذكره في بعض آيات القرآن الكريم مثل قوله تعالى : هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويُزكيهم ويُعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفــي ضلالٍ مبين  ( الجمعة : 2) .
كما ورد هذا المصطلح في بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد روى عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "خيركـم من تعلم القرآن وعلمــه " رواه الشيخان.

8) مصطلح السياسة : و يُقصد بها القيادة ، وحُسن تدبير الأمور في مختلف شئون الحياة . وتأتي بمعنى القدرة على التعامل ، أو الترويض.

9) مصطلح النصح والإرشاد : ويعني بذل النصح للآخرين ودلالتهم على الخير وإرشادهم إليه ؛ وممن استخدم هذا المصطلح أبو الفرج بن الجوزي ( المتوفى سنة 597هـ) في رسالته ( لفتة الكبد إلى نصيحة الولد ).

10) مصطلح الأخلاق : وهو مصطلح يُقصد به إصلاح الأخلاق وتقويم ما انحرف من السلوك . وعلى الرغم من أن هذا المصطلح يهتم في الواقع بجانبٍ من جوانب التربية ؛ إلا أنه قد يُستخدم للدلالة على التربية بعامةً . وممن استخدم هذا المصطلح أبو بكر الآجُري ( المتوفى سنة 360هـ) في كتابه ( أخلاق العلماء ) .


والخلاصة : أن المرادفات التي استخدمها السلف الصالح للدلالة على معنى التربية تدور حول تنمية ، وتنشئة ، ورعاية النفس البشرية وسياستها ، والعمل على إصلاحها ، وتهذيبها ، وتأديبها ، وتزكيتها ، والحرص على تعليمها ، ونصحها وإرشادها ؛حتى يتحقق التكيف المطلوب ، والتفاعل الإيجابي لجميع جوانبها المختلفة ؛ مع ما حولها ، ومن حولها من كائناتٍ ومكونات .
__________________

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:41 PM
فصل صور من تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ..

1- حدّث مجاهد، رحمه الله، أن أبا هريرة، رضي الله عنه، كان يقول: "والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي.
قال: قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ( اِلحَق )، ومضى، فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح، فقال: (من أين هذا اللبن)؟ قالوا: أهداه لك فلان، أو فلانة.
قال: قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (الحق إلى أهل الصفة، فادعهم لي) قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته صدقه بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟
ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بدٌّ، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: قلت: لبيك يا رسول الله قال: (خذ فأعطهم) قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي القوم كلهم.
فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم، فقال: قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (بقيت أنا وأنت) قلت: صدقت يا رسول الله، فقال: (اقعد فاشرب) فقعدت فشربت، فقال: (اشرب) فشربت، فما زال يقول: (اشرب) حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً، قال: (فأرني) فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة". رواه البخاري.

2- التقى النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة رضوان الله عليهم في يوم النحر, خطب فيهم خطبة بليغة مشوقة, وفيها يلفت بالسؤال نظرهم ويثير انتباههم لما سيقوله صلى الله عليه وسلم لهم.
عن عبد الرحمن بن أبي بكرة رضي الله عنه عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أي يوم هذا؟" فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه, قال: "أليس يوم النحر؟" قلنا بلى, قال: "فأي شهر هذا؟" فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه, فقال:"أليس بذي الحجة؟", قلنا بلى, قال: "فإن دمائكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام, كحرمة يومكم هذا, في شهركم هذا, في بلدكم هذا, ليبلغ الشاهد الغائب, فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه".

ففي هذا الحديث يوجه المربي صلى الله عليه وسلم الخطاب لأصحابه بقوله: "أي يوم هذا؟" أي هل تعرفون اسم هذا اليوم, فسكت الصحابة رضوان الله عليهم, وفوضوا علم ذلك لله ورسوله, لظنهم أنه صلى الله عليه وسلم سيسميه باسم آخر, ثم أجاب صلى الله عليه وسلم بقوله: " أليس يوم النحر" أجابهم بصيغة التقرير, لعلمهم أنهم يعرفون ذلك, فقال الصحابة رضي الله عنهم: بلى إنه يوم النحر.

ثم وجه لهم سؤالاً آخر, فقال: "فأي شهر هذا؟" أي ما اسم هذا الشهر, فسكت الصحابة رضي الله عنهم عن الجواب لظنهم أنه سيسميه بغير اسمه, ثم قال صلى الله عليه وسلم: "أليس بذي الحجة", قالوا: بلى إنه شهر ذي الحجة.
وجواب الصحابة عن كل سؤال كل سؤال بقولهم: الله ورسوله أعلم, أو بسكوتهم مع علمهم بأنه صلى الله عليه وسلم لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب, وأنه ليس مراده صلى الله عليه وسلم مطلق الإخبار بما يعرفونه, ولهذا قالوا: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه, ففيه إشارة إلى تفويض الأمور الكلية إلى المشرع سبحانه وتعالى.

وفي هذا دليل على أثر تربيته صلى الله عليه وسلم أصحابه, وحسن أدب الصحابة رضوان الله عليهم بتفويض الأمور إلى عالمها ومشرعها, وخضوعهم لما يقرره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال القرطبي: "سؤاله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمور وسكوته بعد كل سؤال منها, كان لاستحضار فهومهم, وليقبلوا عليه بكليتهم, وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه, ولذا قال بعد هذا: " فإن دمائكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام", مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء".

ثم بعد أن استثار همم الصحابة, ولفت أنظارهم صلى الله عليه وسلم أعطاهم الإجابة الصحيحة التي لم تكن خافية عليهم, ثم ربط لهم هذه الإجابة عن طريق التشبيه بأمور مهمة في حياتهم فقال صلى الله عليه وسلم: "فإن دمائكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا, في شهركم هذا, في بلدكم هذا".

"ومناط التشبيه في قوله" كحرمة يومكم" وما بعده, ظهوره عند السامعين, لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتاً في نفوسهم مقرراً عندهم, بخلاف الأنفس والأموال والأعراض, فكانوا في الجاهلية يستبيحونها, فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم, فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه, لأن الخطاب وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع".

ثم قال صلى الله عليه وسلم في آخر حديثه "ليبلغ الشاهد الغائب" أي ليبلغ الحاضر في هذا المجلس, والذي سمع مقالتي هذه لمن لم يحضر وغاب عن هذا المجلس جميع ما سمع منى من أحكام حرمة سفك دماء المسلمين بغير حق, وثلب أعراضهم, وأن لا يلحقها سوءاً بالقول ولا بالفعل, وأخذ أموالهم بغير حق, فإن ذلك حرمه الله تعالى أشد من حرمة البلد الحرام مكة المكرمة, ومن الشهر الحرام وهو ذو الحجة, ومن اليوم الحرام وهو يوم النحر.

ثم ختم حديثه صلى الله عليه وسلم بقوله:" فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه" أي لعل الغائب الذي بلغته مقالتي هذه عن طريق أحدكم أن يكون أفهم وأحفظ من الشاهد الذي حضر مقالتي ثم بلغها.
وفي هذا الحديث تربية منه صلى الله عليه وسلم لأصحابه على تبليغ العلم, وحث لهم على حفظ ما يحدثهم به, وأن الفهم ليس شرطاً في الأداء والبلاغ, فرب مبلغ افهم من سامع.

3- عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: إن فتى شابا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، قالوا: مه مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريباً قال: فجلس قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء [رواه أحمد].

إن هذا الشاب جاء والغريزة تتوقد في نفسه مما يدفعه إلى أن يكسر حاجز الحياء، ويخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - علناً أمام أصحابه، ولهذا أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - المربي المعلم أن لديه جانباً لم يدركه فيه أصحابه فما هو؟ لقد جاء هذا الشاب يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان قليل الورع عديم الديانة لم ير أنه بحاجة للاستئذان بل كان يمارس ما يريد سراً، فأدرك - صلى الله عليه وسلم - هذا الجانب الخير فيه، فما ذا كانت النتيجة: لم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء.

4- موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الأنصار في غزوة حنين بعد قسمته للغنائم، فقد أعطى - صلى الله عليه وسلم - المؤلفة قلوبهم وترك الأنصار، فبلغه أنهم وجدوا في أنفسهم، فدعاهم - صلى الله عليه وسلم -، وكان بينهم وبينه هذا الحوار الذي يرويه عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - فيقول: لما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن قال: لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض [رواه البخاري (4330) ومسلم (1061)].
__________________

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:41 PM
- في جلسة من جلساته صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام, نبههم على أمر خطير يمس العقيدة ويؤثر فيها, ذلك هو ما كان يظنه بعضهم في الجاهلية من أن نزول الغيث بواسطة النوء, إما بصنعه على زعمهم وإما بعلامته.

فأبطل الشرع قولهم ذاك وجعله كفراً, فتحين المربي العظيم صلى الله عليه وسلم المناسبة لكي يلفت أنظار الصحابة رضوان الله عليهم لذلك الأمر العظيم حينما نزل المطر في ليلة من الليالي, فبين لهم بعد صلاة صبح تلك الليلة المطيرة خطورة تلك المقالة التي كان يعتقدها أهل الجاهلية في نسبة نزول المطر, وذلك لشدة انتباههم ولفت أنظارهم لكي يتيقظوا لمقصوده صلى الله عليه وسلم.

عن زيد بن خالد الجهني, قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في اثر سماء كانت من الليل, فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر, فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب, وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا, فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب".

فكما هو واضح في هذا الحديث من أنه صلى الله عليه وسلم لما انتهى من صلاة صبح تلك الليلة المطيرة, التفت إلى أصحابه قائلاً: " هل تدرون ماذا قال ربكم" خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الاستفهام الذي معناه التنبيه, وهذا من الأحاديث القدسية, لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أنهم لا يعلمون ذلك, وإنما هو من الغيب المستور عنهم, والذي كشفه الله تعالى له بالوحي, فكان يقصد من السؤال تنبيههم وشد قلوبهم لما سيلقيه عليهم من أمر مهم في حياتهم.

فأقبل الأصحاب رضي الله عنهم على معلمهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم بقلوبهم وبسمعهم مجيبين: الله ورسوله أعلم.

وهذا من حسن أدبهم رضوان الله عليهم, وهو الواجب على طلاب العلم دائماً وأبداً في كل زمان ومكان أن يقولوا عن كل ما لا يعلمونه:الله ورسوله أعلم, فيردون العلم إلى من أحاط علمه بكل شيء, وهو الله تعالى.

ثم أخبرهم صلى الله عليه وسلم بما قاله ربهم, فقال قال الله تعالى: "أصبح من عبادي" هذه إضافة عموم, بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر, كقوله تعالى( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن, والله بما تعملون بصير).

فانقسم الناس بسبب ذلك إلى قسمين:

الأول: مؤمن بالله تعالى, وهو الذي قال: مطرنا بفضل الله ورحمته, فنسب المطر إلى فضل الله ورحمته, لأن المطر ينزل في الوقت الذي أراده الله تعالى برحمته وحكمته وفضله, فإن نعم الله تعالى لا يجوز أن تضاف إلا إليه وحده وهو الذي يحمد عليها.

والثاني: كافر بالله تعالى, وهو الذي قال: مطرنا بنوء كذا وكذا.

وفي هذا تربية منه صلى الله عليه وسلم لأصحابه بأن يتفطنوا لإيمانهم ويحرصوا عليه, ويحافظوا عليه من كل ما يخدشه أو يؤثر فيه وأن يبتعدوا عن كل ما يوصل إلى الكفر أو يؤدي إليه سواء من الأقوال أو الأفعال, وهذه الطريقة التي سلكها صلى الله عليه وسلم في معالجة هذا الأمر الخطير وتنبيه الأصحاب عليه بهذا الأسلوب الحكيم لحري بأصحاب الدعوة اليوم أن يسلكوا هذا الطريق, وأن يستعملوا هذا الأسلوب الذي استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم, وأن لا يتساهلوا في أي قول أو فعل يصدر من أتباعهم وإن قل, فعليهم سرعة العلاج والإصلاح وتنبيه من وقعت منه مخالفة قولية أو فعلية في الحال, وخاصة في ما يسمى عقيدتهم ودينهم.

6- مشاركته صلى الله عليه وسلم لأصحابه في أعمالهم ومن ذلك:
أ- مشاركته لهم في بناء المسجد :- عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أربع عشرة ليلة... وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة" [رواه البخاري (428) ومسلم (524)]

ب- وشاركهم في حفر الخندق :- فعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهو يحفر ونحن ننقل التراب ويمر بنا فقال:"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة" [رواه البخاري (6414) ومسلم (1804)]

ج- وكان يشاركهم في الفزع للصوت :- فعن أنس -رضي الله عنه- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد استبرأ الخبر وهو على فرس لأبي طلحة عري وفي عنقه السيف وهو يقول:"لم تراعوا لم تراعوا" ثم قال:"وجدناه بحراً أو قال إنه لبحر" [رواه البخاري (2908) ومسلم (2307)]

د- وأما مشاركته لهم في الجهاد :- فقد خرج صلى الله عليه وسلم في (19) غزوة [رواه البخاري (3949) ومسلم (1254) ]، بل قال عن نفسه:"ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية" [رواه البخاري (36) ومسلم (1876) ].

وهي مشاركة لاتلغي دورهم وتحولهم إلى مجرد آلات صماء، بل هي تدفع للتوازن بين هذا وبين تعويدهم على العمل والمشاركة.

إن مجرد إصدار الأوامر والتوجيه أمر يجيده الجميع، لكن الدخول مع الناس في الميدان ومشاركتهم يرفع قيمة المربي لديهم ويعلي شأنه ويشعرون أنه واحد منهم، وذلك أيضاً يدفعهم لمزيد من البذل والهمة والحماس عكس أولئك الذين يدعون للعمل ويربيهم بعيد عنهم، وقد عبر عن هذا المعنى ذاك الحداء الذي كان يردده أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :

لئن قعدنا والنبي يعمل *** لذاك منا العمل المضلل

ثم إنه يشيع روح الود والإخاء، ويسهم في بناء علاقة إنسانية وطيدة بين المربي ومن يربيهم .

7- لقد كان صلى الله عليه وسلم يجمع بين التربية والتوجيه الفردي من خلال الخطاب الشخصي المباشر، وبين التربية والتوجيه الجماعي .
قال ابن مسعود - رضي الله عنه- :"علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كفي بين كفيه" [رواه البخاري ( 831 ) ومسلم ( 402 ) ].
ومن ذلك ما ورد عن غير واحد من أصحابه: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن ذلك حديث معاذ رضي الله عنه:كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال:"يا معاذ، أتدري ماحق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟".

وعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- زوجه أبوه امرأة فكان يتعاهدها، فتقول له: نعم الرجل لم يكشف لنا كنفاً ولم يطأ لنا فراشاً -تشير إلى اعتزاله- فاشتكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فدعاه فكان معه الحوار الطويل حول الصيام وختم القرآن وقيام الليل.

وقد كان هذا الحوار والتوجيه له شخصياً، بينما نجد أنه صلى الله عليه وسلم في مواقف أخر يوجه توجيهاً عاماً، كما في خطبه ولقاءاته وتوجيهاته لعامة أصحابه وهي أشهر من أن تورد وتحصر.

وهاهنا مأخذ مهم في قصة عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه وناقشه لوحده، بينما نجده في موقف آخر شبيه بهذا الموقف يعالج الأمر أمام الناس، فحين سأل طائفة عن عبادته وتقالوها وقالوا ما قالوا صعد المنبر وخطب في الأمر.

عن أنس -رضي الله عنه- أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه فقال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [رواه مسلم (1401)]

ومثل ذلك في قصة الذي قال : هذا لكم وهذا أهدي إلي، فعن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- قال استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن الأتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر -قال سفيان أيضا فصعد المنبر- فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:" ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لك وهذا لي فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه "ألا هل بلغت" ثلاثا [رواه البخاري (7174) ومسلم (1832)] .

إذاً فهناك جوانب يمكن أن تطرح وتناقش بصورة فردية، ولا يسوغ أن تطرح بصفة عامة، ولو مع عدم الإشارة إلى صاحبها لأنها ربما كانت مشكلات فردية لا تعني غير صاحبها، بل قد يكون إشاعتها ضرره أكثر من نفعه .
وهناك جوانب يجب أن تطرح بوضوح وبصورة عامة وتعالج وتناقش أمام الجميع .
والمربي الناجح هو الذي يضع كل شيء موضعه . __________________

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:49 PM
فصل أساليب النبي صلى الله عليه وسلم التربوية
1-التربية بالقصة:
إن القصة أمر محبب للناس، وتترك أثرها في النفوس، ومن هنا جاءت القصة كثيراً في القرآن، وأخبر تبارك وتعالى عن شأن كتابه فقال:{نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى} وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : { واقصص القصص لعلهم يتفكرون } ولهذا فقد سلك النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنهج واستخدم هذا الأسلوب .
شاب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو خباب بن الأرت رضي الله عنه ـ يبلغ به الأذى والشدة كل مبلغ فيأتي للنبي صلى الله عليه وسلم شاكياً له ما أصابه فيقول رضي الله عنه :أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة - وقد لقينا من المشركين شدة - فقلت :ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: « لقد كان كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد مادون عظامه من لحم أوعصب، مايصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله » [رواه البخاري (3852]
وحفظت لنا السنة النبوية العديد من المواقف التي يحكي فيها النبي صلى الله عليه وسلم قصة من القصص، فمن ذلك: قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، وقصة الذي قتل مائة نفس، وقصة الأعمى والأبرص والأقرع، وقصة أصحاب الأخدود... وغيرها كثير.

2 - التربية بالموعظة:
للموعظة أثرها البالغ في النفوس، لذا فلم يكن المربي الأول صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يغيب عنه هذا الأمر أو يهمله فقد كان كما وصفه أحد أصحابه وهو ابن مسعود -رضي الله عنه-:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» [رواه البخاري ( 68 ]
ويحكي أحد أصحابه وهو العرباض بن سارية -رضي الله عنه- عن موعظة وعظها إياهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ » [رواه الترمذي (2676) وابن ماجه (42)] وحتى تترك الموعظة أثرها ينبغي أن تكون تخولاً ، وألا تكون بصفة دائمة .
عن أبي وائل قال كان عبد الله يذكر الناس في كل خميس فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم قال أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا [رواه البخاري (70) ومسلم (2821) ]

3 - الجمع بين الترغيب والترهيب:
النفس البشرية فيها إقبال وإدبار، وفيها شرّة وفترة، ومن ثم كان المنهج التربوي الإسلامي يتعامل مع هذه النفس بكل هذه الاعتبارات، ومن ذلك الجمع بين الترغيب والترهيب، والرجاء والخوف.
عن أنس -رضي الله عنه- قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط:«قال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين [رواه البخاري (4621) ومسلم () ].
ومن أحاديث الرجاء والترغيب ما حدث به أبو ذر -رضي الله عنه- قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فقال:«ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال:«وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال:«وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر» وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر [رواه البخاري (5827) ومسلم (94) ].
وعن هريرة -رضي الله عنه- قال كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا أبو بكر وعمر في نفر فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار فدرت به هل أجد له بابا فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة -والربيع الجدول- فاحتفزت كما يحتفز الثعلب فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«أبو هريرة؟» فقلت: نعم يارسول الله، قال:«ما شأنك؟» قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال:«يا أبا هريرة» -وأعطاني نعليه- قال:«اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة»…الحديث. [رواه مسلم (31) ] والمتأمل في الواقع يلحظ أننا كثيراً ما نعتني بالترهيب ونركز عليه، وهو أمر مطلوب والنفوس تحتاج إليه، لكن لابد أن يضاف لذلك الترغيب، من خلال الترغيب في نعيم الجنة وثوابها، وسعادة الدنيا لمن استقام على طاعة الله، وذكر محاسن الإسلام وأثر تطبيقه على الناس، وقد استخدم القرآن الكريم هذا المسلك فقال تعالى:{ ولو أن أهل القرى …} {ولو أنهم أقاموا التوراة …} .

4 - الإقناع العقلي:
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، قالوا: مه مه، فقال: «ادنه» فدنا منه قريباً قال: فجلس قال : « أتحبه لأمك ؟ » قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: « ولا الناس يحبونه لأمهاتهم» قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم» قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم» قال:«أفتحبه لعمتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم» قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم» قال: فوضع يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه» فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء [رواه أحمد ] .
إن هذا الشاب قد جاء والغريزة تتوقد في نفسه، مما يدفعه إلى أن يكسر حاجز الحياء، ويخاطب النبي صلى الله عليه وسلم علناً أمام أصحابه، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم المربي المعلم لديه جانباً لم يدركه فيه أصحابه فما هو؟
لقد جاء هذا الشاب يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان قليل الورع عديم الديانة لم ير أنه بحاجة للاستئذان بل كان يمارس ما يريد سراً، فأدرك صلى الله عليه وسلم هذا الجانب الخير فيه، فما ذا كانت النتيجة : «فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء»

5 - استخدام الحوار والنقاش:
وخير مثال على ذلك موقفه صلى الله عليه وسلم مع الأنصار في غزوة حنين بعد قسمته للغنائم، فقد أعطى صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم وترك الأنصار، فبلغه أنهم وجدوا في أنفسهم، فدعاهم صلى الله عليه وسلم ، وكان بينهم وبينه هذا الحوار الذي يرويه عبدالله بن زيد -رضي الله عنه- فيقول: لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: »يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟« كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمن، قال: »ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟« قال كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن قال:» لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض« [رواه البخاري (4330) ومسلم (1061) ] ففي هذا الموقف استخدم النبي صلى الله عليه وسلم الحوار معهم، فوجه لهم سؤالاً وانتظر منهم الإجابة، بل حين لم يجيبوا لقنهم الإجابة قائلاً : (ولو شئتم لقلتم ولصدقتم وصُدقتم …) .
__________________

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:50 PM
- الإغلاظ والعقوبة:
وقد يُغلظ صلى الله عليه وسلم على من وقع في خطأ أو يعاقبه:
فعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: يا رسول الله، لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضباً من يومئذ فقال:» أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة« [رواه البخاري (90) ومسلم (466) ].
وعن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن اللقطة فقال:»اعرف وكاءها -أو قال: وعاءها وعفاصها- ثم عرفها سنة، ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فأدها إليه« قال: فضالة الإبل؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه -أو قال احمر وجهه- فقال:» وما لك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وترعى الشجر فذرها حتى يلقاها ربها« قال: فضالة الغنم؟ قال:» لك أو لأخيك أو للذئب« [رواه البخاري (90) ومسلم (1722) ].
وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه على هذين الحديثين » باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى مايكره«.
وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال:»يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده« فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم . [رواه مسلم (2090) ]
عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال كل بيمينك قال لا أستطيع قال لا استطعت ما منعه إلا الكبر قال فما رفعها إلى فيه [رواه مسلم (2021)]
إلا أن ذلك لم يكن هديه الراتب صلى الله عليه وسلم فقد كان الرفق هو الهدي الراتب له صلى الله عليه وسلم ، لكن حين يقتضي المقام الإغلاظ يغلظ صلى الله عليه وسلم ،

ومن الأدلة على ذلك:
1- أن الله سبحانه وتعالى وصفه بالرفق واللين أو بما يؤدي إلى ذلك قال تعالى {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} فوصفه باللين وقال تعالى : {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} ولا أدل على وصفه عليه الصلاة والسلام من وصف الله له فهو العليم به سبحانه .

2- وصف أصحابه له : فقد وصفه معاوية بن الحكم -رضي الله عنه- بقوله :فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني [رواه مسلم (537) ].

3- أمره صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالرفق فهو القدوة في ذلك وهو الذي نزل عليه {لم تقولون مالاتفعلون} فهو أقرب الناس الى تطبيقه وامتثاله، وحينما أرسل معاذاً وأبا موسى إلى اليمن قال لهما : »يسرا ولاتعسرا وبشرا ولاتنفرا« [رواه البخاري (3038) ومسلم (1733) ] .

4- ثناؤه صلى الله عليه وسلم على الرفق، ومن ذلك في قوله:»ماكان الرفق في شيئ إلا زانه ولانزع من شيئ إلا شانه« وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة :»إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله« رواه البخاري (6024) ومسلم (2165) ] وفي رواية:»إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه« [رواه مسلم (2593) ].
وفي حديث جرير -رضي الله عنه- »من يحرم الرفق يحرم الخير« [رواه مسلم (2592) ] ويعطي على الرفق مالايعطي على العنف ) .

5- سيرته العملية في التعامل مع أصحابه فقد كان متمثلاً الرفق في كل شيئ ومن ذلك :
أ) قصة الأعرابي الذي بال في المسجد والقصة مشهورة.

ب) قصة عباد بن شرحبيل - رضي الله عنه - يرويها فيقول: أصابنا عام مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال للرجل:» ما أطعمته إذ كان جائعا -أو ساغبا- ولا علمته إذ كان جاهلا« فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرد إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق [رواه أحمد (16067) وأبو داود (2620) وابن ماجه (2298)].

ج)قصة سلمة بن صخر الأنصاري -رضي الله عنه- قال: كنت رجلا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فرقا من أن أصيب منها في ليلتي فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري فقلت انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بأمري فقالوا: لا والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا قرآن أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك، قال: فخرجت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري فقال:» أنت بذاك؟ « قلت: أنا بذاك، قال:» أنت بذاك؟ « قلت: أنا بذاك، قال:» أنت بذاك؟ « قلت: أنا بذاك، وها أنا ذا فأمض في حكم الله فإني صابر لذلك، قال:» أعتق رقبة« قال: فضربت صفحة عنقي بيدي فقلت: لا والذي بعثك بالحق لا أملك غيرها، قال:» صم شهرين« قلت: يا رسول الله، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال:» فأطعم ستين مسكينا« قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشى ما لنا عشاء، قال:» اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك« قال فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي، فدفعوها إلي [رواه أحمد (23188) وأبو داود (2213) والترمذي () وابن ماجه (2062].

7 - الهجر:
واستعمل النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب الهجر في موقف مشهور في السيرة، حين تخلف كعب بن مالك -رضي الله عنه- وأصحابه عن غزوة تبوك، فهجرهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لايكلمهم أحد أكثر من شهر حتى تاب الله تبارك وتعالى عليهم.
إلا أن استخدام هذا الأسلوب لم يكن هدياً دائماً له صلى الله عليه وسلم فقد ثبت أن رجلاً كان يشرب الخمر وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم … والمناط في ذلك هو تحقيقه للمصلحة، فمتى كان الهجر مصلحة وردع للمهجور شرع ذلك وإن كان فيه مفسدة وصد له حرم هجره .

8 - استخدام التوجيه غير المباشر:
ويتمثل التوجيه غير المباشر في أمور منها:

أ - كونه صلى الله عليه وسلم يقول مابال أقوام، دون أن يخصص أحداً بعينه، ومن ذلك قوله في قصة بريرة فعن عائشة -رضي الله عنها- فقالت أتتها بريرة تسألها في كتابتها فقالت إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي فلما جاء رسول الله صلى اللهم عليه وسلم ذكرته ذلك قال النبي صلى اللهم عليه وسلم ابتاعيها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق ثم قام رسول الله صلى اللهم عليه وسلم على المنبر فقال ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة شرط [رواه البخاري (2735) ومسلم () ]
وحديث أنس -رضي الله عنه- أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أنام على فراش فحمد الله وأثنى عليه فقال :«ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» [رواه البخاري (1401)].

ب - وأحياناً يثني على صفة في الشخص ويحثه على عمل بطريقة غير مباشرة، ومن ذلك مارواه عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على النبي صلى الله عليه وسلم ، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكنت غلاماً أعزب، وكنت أنام في المسجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فرأيت في المنام كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فلقيهما ملك آخر فقال لي: لن تراع، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي بالليل» قال سالم: فكان عبدالله لا ينام من الليل إلا قليلاً [رواه البخاري (3738-3739].

ج - وأحياناً يأمر أصحابه بما يريد قوله للرجل، عن أنس بن مالك أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قلما يواجه رجلا في وجهه بشيء يكرهه فلما خرج قال:» لو أمرتم هذا أن يغسل هذا عنه« [رواه أبو داود (4182)]

د - وأحياناً يخاطب غيره وهو يسمع، عن سليمان بن صرد قال استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم :« إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: إني لست بمجنون [رواه البخاري (6115) ومسلم (2610)]

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:50 PM
- استثمار المواقف والفرص:
عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه يوماً وإذا بامرأة من السبي تبحث عن ولدها فلما وجدته ضمته فقال صلى الله عليه وسلم :«أترون هذه طارحة ولدها في النار» قالوا: لا، قال:«والله لايلقي حبيبه في النار؟» [رواه البخاري ( 5999) ومسلم ( 2754 ).].
فلا يستوي أثر المعاني حين تربط بصور محسوسة، مع عرضها في صورة مجردة جافة.
إن المواقف تستثير مشاعر جياشة في النفس، فحين يستثمر هذا الموقف يقع التعليم موقعه المناسب، ويبقى الحدث وما صاحبه من توجيه وتعليم صورة منقوشة في الذاكرة، تستعصي على النسيان.
والمواقف متنوعة فقد يكون الموقف موقف حزن وخوف فيستخدم في الوعظ، كما في وعظه صلى الله عليه وسلم أصحابه عند القبر.
عن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى اللهم عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا… ثم ذكر الحديث الطويل في وصف عذاب القبر وقتنته. [رواه ابو داوود (4753)]

ب ـ وقد يكون وقد يكون موقف مصيبة إذا أمر حل بالإنسان، فيستثمر ذلك في ربطه بالله تبارك وتعالى.
عن زيد بن أرقم قال أصابني رمد فعادني النبي صلى الله عليه وسلم ، قال فلما برأت خرجت، قال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :« أرأيت لو كانت عيناك لما بهما ما كنت صانعاً؟» قال: قلت: لو كانتا عيناي لما بهما صبرت واحتسبت، قال:«لو كانت عيناك لما بهما ثم صبرت واحتسبت للقيت الله عز وجل ولا ذنب لك» [رواه أحمد]
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم مثل هذا الموقف لتقرير قضية مهمة لها شأنها وأثرها كما فعل حين دعائه للمريض بهذا الدعاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إذا جاء الرجل يعود مريضا قال: اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدوا ويمشي لك إلى الصلاة» [رواه أحمد (6564)]
إنه يوصي المسلم بعظم مهمته وشأنه وعلو دوره في الحياة، فهو بين أن يتقدم بعبادة خالصة لله ، أو يساهم في نصرة دين الله والذب عنه .

ج ـ وقد يكون الموقف ظاهرة كونية مجردة، لكنه صلى الله عليه وسلم يستثمره ليربطه بهذا المعنى عن جرير بن عبدالله -رضي الله عنه- قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة يعني البدر فقال:«إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [رواه البخاري (554) ومسلم]

دـ وقد يكون الموقف مثيراً، يستثير العاطفة والمشاعر كما في حديث أنس السابق في قصة المرأة .

10 - التشجيع والثناء:
سأله أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ يوماً :من أسعد الناس بشفاعتك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم «لقد ظننت أن لايسألني أحد عن هذا الحديث أول منك لما علمت من حرصك على الحديث» [رواه البخاري ( 99 ) ]. فتخيل معي أخي القاريء موقف أبي هريرة، وهو يسمع هذا الثناء، وهذه الشهادة من أستاذ الأساتذة، وشيخ المشايخ صلى الله عليه وسلم .بحرصه على العلم، بل وتفوقه على الكثير من أقرانه. وتصور كيف يكون أثر هذا الشعور دافعاً لمزيد من الحرص والاجتهاد والعناية.
وحين سأل أبيَ بن كعب: «أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم؟» فقال أبي:آية الكرسي. قال له صلى الله عليه وسلم «ليهنك العلم أبا المنذر» [رواه مسلم ( 810 ) وأحمد ( 5/142 )] ".
إن الأمر قد لا يعدو كلمة ثناء، أو عبارة تشجيع، تنقل الطالب مواقع ومراتب في سلم الحرص والاجتهاد. والنفس أياً كان شأنها تميل إلى الرغبة في الشعور بالإنجاز. ويدفعها ثناء الناس -المنضبط- خطوات أكثر.

والتشجيع والثناء حث للآخرين، ودعوة غير مباشرة لهم لأن يسلكوا هذا الرجل الذي توجه الثناء له.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ..

وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. __________________

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين له الحمد الحسن والثناء الجميل والصلاة والسلام على النبي الجليل .. وبعد :

قال تعالى {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }التوبة100
وقال تعالى {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً }الفتح18

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) (رواه البخاري ومسلم)

وقال صلى الله عليه وسلم ( النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابا أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون )
[ رواه مسلم وأحمد ]

بل جعل الله عز وجل الصحابة الكرام مفاتيح نصر وعز ورفعة للمسلمين .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سيأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولوا : فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال : فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فيقولون : نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال : هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : نعم فيفتح لهم )" [ رواه البخاري ومسلم)

فلابد لنا من وقفة مع هذا الجيل الفاضل الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا على أعلى مستوى من الدين والخلق والإخلاص والتفاني في سبيل نصرة هذا الدين فاستحقوا بذلك رضا الله عز وجل ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم .
وفتح الله عز وجل بهم البلاد وقلوب العباد وتكونت الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة في فترة كأنها لحظات من عمر الدنيا بعد ثلاثة عشر عاماً من ابتداء البعثة النبوية المباركة ثم توالت الانتصارات وانتشر الضوء وعم الخير فجاء نصر الله والفتح ودخل الناس فى دين الله أفواجاً فى السنة الثامنة من الهجرة وما فارق النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا حتى عم الإسلام جزيرة العرب ثم سطع النور بعد ذلك فى المشارق والمغارب حتى دق المسلمون أبواب فينا فى أوربا ووصلوا إلى حدود الصين فى آسيا .

يقول الأستاذ محمد قطب تحت عنوان " كيف تربت الجماعة الأولى " :الجماعة الأولى هي الجماعة التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه ومنحها كل جهده ورعايته وتوجيهه والتي اجتمعت لها عناصر التربية الإسلامية بكل تمامها على يد أعظم مرب فى التاريخ .
وإنها لهى المقصودة أولاً بقوله تعالى :" [/COLOR]{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ }آل عمران110

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:55 PM
ولقد كانت خير أمة فى تاريخ البشرية كله وحوت من ألوان العظمة فى كل اتجاه ما لم يجتمع لأمة أخرى فى التاريخ بهذه الوفرة وذلك التعدد وتلك الأفاق : عظمات حربية وعظمات سياسية وإدارية وعظمات نفسية وعظمات روحية وعظمات من كل نوع وفى فترة وجيزة من عمر الزمن كأنها لحظات .

وتلك الأمة هي التي وضعت أسس التاريخ الإسلامي المقبل كله ورسخت قواعده فى الأرض بما قدمت من مبادئ وقيم ومثل عليا مطبقة فى عالم الواقع بصورة فريدة فى التاريخ .

إلى أن قال : ونحن مطالبون بدراسة وافية لتلك الجماعة الأولى تفسر لنا أسرار عظمتها وبلوغها ما بلغت إليه من قمم شامخة فى كل مجال خاضته .

قال الدكتور السيد محمد نوح :شهدت كتب التاريخ والسير أن الصحابة رضي الله عنهم ورضوا عنه عاشوا أعلى مراتب النصر والتأييد ومن عجب أن هذا النصر وذلك التأييد ما كان فى ميدان دون ميدان وإنما كان فى كل الميادين وفى كل الأوقات.

وما من شك من أن الناصر والمؤيد لهؤلاء الأصحاب فى كل وقت وفى كل ميدان إنما هو الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض والذي إذا قضى امرأ يقول له كن فيكون .

بيد أن هذا النصر وذلك التأييد من الله لهم لم يكن عن محاباة أو مجاملة فإنه سبحانه لا يحابى ولا يجامل وإنما كان بسبب من هؤلاء لقد تحلى هؤلاء من الأخلاق كانت هي السبب فى نزول النصر عليهم والتأييد لهم من ربهم وتبقى هذه الطائفة من الأخلاق إلى قيام الساعة سبباً فى حصول النصر والتأييد من الله شريطة الالتزام والتحلي بها .

وقال أبو الحسن الندوى :ولم يزل الرسول صلى الله عليه سلم يربيهم تريبة دقيقة عميقة ولم يزل القرآن يسمو بنفوسهم ويزكى جمرة قلوبهم ولم تزل مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم تزيدهم رسوخاً فى الدين وعزوفاً عن الشهوات وتفانياً فى سبيل المرضاة وحنيناً إلى الجنة وحرصاً على العلم وفقهاً فى الدين ومحاسبة للنفس يطيعون الرسول فى المنشط والمكره وينفرن فى سبيل الله خفافاً وثقالاً قد خرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم للقتال سبعاً وعشرين مرة فى عشر سنين وخرجوا بأمره لقتال العدو أكثر من مائة مرة فهان عليهم التخلي عن الدنيا وهانت عليهم رزيئةأولادهم فى نفوسهم .

ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه وبكل ما يشق على النفوس إتيانه فى المال والنفس والولد والعشيرة فنشطوا وخفوا لامتثال أمرها وانحلت العقدة الكبيرة - عقدة الشرك والكفر - فانحلت العقد كلها وجاهدهم الرسول صلى الله عليه وسلم جهاده الأول فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهى حدثوا الرسول صلى الله عليه وسلم عما اختانوا أنفسهم وعرضوا أجسامهم للعذاب الشديد إذا فرطت منهم زلة استوجبت الحد نزل تحريم الخمر والكئوس المتدفقة على راحاتهم فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمظة والأكباد المتقدة وكسرت دنان الخمر فسالت فى سكك المدينة .

حتى إذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم بل خرج حظ نفوسهم من نفوسهم وأنصفوا من أنفسهم إنصافهم من غيرهم وأصبحوا فى الدنيا رجال الآخرة وفى اليوم رجال الغد لا تجزعهم مصيبة ولا تبطرهم نعمة ولا يشغلهم فقر ولا يطغيهم غنى ولا تلهيهم تجارة ولا تسحقهم قوة ولا يريدون علواً فى الأرض ولا فساداً .

وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين وطأ لهم أكناف الأرض وأصبحوا عصمة للبشرية ووقاية للعالم وداعية إلى دين الله واستخلفهم الرسول صلى الله عليه وسلم فى عمله ولحق بالرفيق الأعلى قرير العين من أمته ورسالته . ا. هـ


فلا شك فأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس وغن كان الراجح فى قوله عز وجل :" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ }آل عمران110 أنها عامة فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن الصحابة رضي الله عنهم هم خير هذا الخير.

فالواجب على الدعاة والمربين أن يدرسوا المؤهلات التي أهلت الصحابة رضي الله عنهم لتبوأ أعلى المنازل والوصول إلى أعلى الدرجات فى الدنيا والآخرة حتى يجعلوا خصائصهم ومؤهلاتهم نصب أعينهم وهم يقومون بواجب تربية أجيال الصحوة الإسلامية فغاية المربين إنشاء جيل على نمط الصحابة رضي الله عنهم فى عقيدتهم وفهمهم للكتاب والسنة وطاعتهم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وزهدهم فى الدنيا ورغبتهم فى الآخرة وبذلهم فى الله عز وجل طلبا مرضاته ورغبة فى إعزاز دينه ونشر رسالة رسوله صلى الله عليه وسلم ..

http://forum.islamacademy.net/images/statusicon/user_offline.gif

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:56 PM
[تعظيمهم لأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم
كان الصحابة رضوان الله عليهم يسارعون إلى تنفيذ أوامر الله عز وجل وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم عملاً بقول الله عزوجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ }الأنفال20:

وقوله عز وجل :" {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً }الأحزاب36
وقوله تعالى {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }آل عمران132

-*- فهذه زينب بنت جحش رضي الله عنها يخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتاه زيد بن حارثة وحين يفاتحها فى ذلك تأبى وتقول : لست بناكحته . فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بل فانكحيه " قالت : يا رسول الله أؤامر نفسي فبينما هما يتحدثان إذا بالمولى سبحانه وتعالى ينزل هذه الآية على رسوله صلى الله عليه وسلم :" {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً }الأحزاب36

فتقول : قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً ؟ فيقول : " نعم " . فتقول : إذن لا أعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحته نفسي . [ تفسير الطبري ]

-*- وهذا عقبة بن الحارث يتزوج ابنة لأبى إهاب بن عزيز فتأتيه امرأة فتقول : إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج فيقول لها عقبة : ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني ثم يركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فيسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كيف " وقد قيل : فيفرقها عقبة وتنكح زوجاًُ غيره . [ رواه البخاري ]

-*- ولما سقط مسطح بن أثاثه مع من سقط فى حادثة الإفك واتهام أم المؤمنين رضي الله عنها بالزنا من صفوان بن المعطل شق ذلك على أبى بكر وأهله وقال : هذا أمر لم نتهم به فى الجاهلية أفبعد إذ أعزنا الله بالإسلام نتهم به ؟ وحلف أن لا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً فأنزل الله عز وجل {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }النور22وسمعها أبو بكر فقال : بلى والله يا ربنا إنا نحب أن تغفر لنا . وعاد بما كان يصنع . [ رواه البخاري ]

-*- ومن ذلك موقف الصحابة الكرام رضي الله عنهم واستجابتهم لأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وخروجهم إلى حمراء الأسد الغد من يوم أحد وقد دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج فخرجوا على ما بهم من جراح وألم تعظيماً لأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم..

وسجل الله عز وجل لهم هذا الموقف فى كتابه الخالد ونزل قوله عز وجل :" {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }آل عمران172 الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }آل عمران173* {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ }آل عمران174

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:56 PM
)صدقهم رضي الله عنهم فى إيمانهم وأقوالهم وأعمالهم :
وقد وصف الله عز وجل المهاجرين الكرام بالصدق فقال تعالى :" {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ }الحشر8
وقال تعالى :" {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ }التوبة119
ونزل فيهم رضي الله عنهم قوله تعالى : {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }الأحزاب23
-*- عن أنس رضي الله عنه قال : غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر فقال : يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم اُحد انكشف المسلمون .
قال : اللهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعنى أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال : يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون احد قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس : فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قُتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه ، قال أنس : كنا نرى أو نظن ان هذه الآية نزلت فيه وفى : {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ رواه البخاري ومسلم والترمذي ] [/COLOR
]-*- وعن شداد بن الهاد رضي الله عنه أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه ثم قال أهاجر معك فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فلما كانت غزوة غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبياً فقسم وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه فقال : ما هذا ؟ قالوا : قسم قسمه لك النبى صلى الله عليه وسلم فأخذه فجاء به إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا ؟ قال : قسمته لك قال : ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرمى ها هنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال : إن تصدق الله يصدقك . فلبثوا قليلاً ثم نهضوا فى قتال العدو فأتى به النبى صلى الله عليه سلم يحمل قد أصابه السهم حيث أشار فقال النبى صلى الله عليه وسلم :" أهو هو ؟ " قالوا نعم . قال " صدق الله فصدقه ".
ثم كفنه النبى صلى الله عليه وسلم فى جبة النبى صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه فكان فيما ظهر من صلاته :" اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً فقتل شهيداً ، أنا شهيد على ذلك " [رواه النسائي وصححه الألباني فى صحيح سنن النسائي ][/size][/center]

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:57 PM
(4)شجاعتهم النادرة واستهانتهم بالحياة الدنيا
قال أبو الحسن الندوى : ولقد بعث الإيمان فى قلوب المسلمين شجاعة خارقة للعادة وحنيناً غريباً إلى الجنة واستهانة نادرة بالحياة تمثلوا الآخرة وتجلت لهم الجنة بنعمائها كأنهم يرونها رأى العين فطاروا إليها طيران حمام الزاجل لا يلوى على شئ .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال عمير بن الحمام الأنصاري : يارسول الله جنة عرضها السماوات والأرض ؟
قال : نعم . قال : بخ بخ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما يحملك على قول بخ بخ ؟ " قال : لا ولله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها . قال : فإنك من أهلها ، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال : لئن حييت حتى آكل تمرات هذه إنها لحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل . [ رواه مسلم ]


وعن أبى بكر بن أبى موسى الأشعري قال : سمعت أبى رضي الله عنه وهو بحضرة العدو يقول : قال رسول الله صلى الله عليه سلم :" إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف " . فقام رجل رث الهيئة فقال : يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا ؟ قال : نعم .

فرجع إلى أصحابه فقال : أقرأ عليكم السلام ، ثم كسر جفن سيفه فألقاه ، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب حتى قتل . [ رواه مسلم


وفى يوم اليمامة أغلقت بنو حنيفة أنصار مسيلمة الكذاب الباب عليهم وأحاط بهم الصحابة فقال البراء بن مالك يا معشر المسلمين ألقوني عليهم فى الحديقة . فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها . فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه ، ودخل المسلمون الحديقة من حيطانها وأبوابها يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة حتى خلصوا إلى مسيلمة - لعنه الله - .

قال الذهبي : بلغنا أن البراء يوم حرب مسيلمة الكذاب أمر أصحابه أن يحتملوه على ترس على أسنة رماحهم ويلقوه فى الحديقة ، فاقتحم عليهم وشد عليهم وقاتل حتى افتتح باب الحديقة . فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحاً ، ولذلك قلم خالد بن الوليد عليه شهراً يداوى جراحه . [ سير أعلام النبلاء ] صححه الألباني فى صحيح سنن النسائي ]

http://forum.islamacademy.net/images/statusicon/user_offline.gif

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 02:58 PM
(6)قطع حبال الجاهلية وموالاة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين :

قال الدكتور السيد محمد نوح :

وكان الواحد من الصحابة بمجرد أن يدخل فى الإسلام يجتهد كل الاجتهاد أن يقطع حبال الجاهلية وأن يخلع على باب هذا الدين كل ماضيه بما فيه من سوءات وظلمات انطلاقاً من قوله تعالى {لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }المجادلة22
-*- هذا عبد الله بن أبى بن سلول يبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بأبيه وهو فى ظل أطم فيقول : غبر علينا ابن أبى كبشة . فيأتي النبى صلى الله عليه وسلم فيقول : يا رسول الله والذي أكرمك لئن شئت لأتيتك برأسه فيرد عليه النبى صلى الله عليه وسلم قائلاً :" لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته " [ رواه البزار ورجاله ثقات ] والأطم : المكان المرتفع .

-*- وهذا حنظلة بن أبى عامر يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قتل أبيه لما آذى الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين فينهاه النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك . [ رواه ابن شاهين بإسناد حسن وذكره الحافظ فى الإصابة ]

-*- وكان أبو عزيز بن عمير بن هشام أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه فى الأسارى ( يوم بدر) قال أبو عزيز : مر بى مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني فقال : شد يدك به إن أمه ذات متاع ، لعلها تفديه منك . فقال أبو عزيز : يا أخى هذه وصاتك بى . فقال له مصعب : إنه أخى دونك .

فسألت أمه من أعلى ما فدى به قرشي فقيل لها : أربعة آلاف درهم فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها . [باختصار من سيرة ابن هشام مع الروض الأنف]

-*- وقتل أبو عبيدة بن الجراح يوم بدر أباه حيث تعرض له أبوه يريد أن يقتله ويتحاشاه أبو عبيدة فلما أصر أبوه على قتله تمكن منه أبو عبيدة فقتله .
استهانتهم بزخارف الدنيا وزينتها الجوفاء :

وقد بين الله عز وجل أن الكفار هم الذين يغترون بزينة الدنيا وزخرفها فقال تعالى {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }البقرة212
وقال تعالى : {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ }الزخرف33وقال النبى صلى الله عليه وسلم :" لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء " [رواه الترمذي وصححه الألباني )

فعلم الصحابة رضي الله عنهم حقارة الدنيا وزيف زخارفها فاستهانوا بها فلم تبهرهم الأضواء ، ولم تشغلهم الشهوات .

-*- أرسل سعد قبل القادسية ربعي بن عامر رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابى الحرير وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة ، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة ، وقد جلس على سرير من ذهب ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة ، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل عليه بسلاحه ودرعه وبيضته على رأسه فقالوا له : ضع سلاحك . فقال : إني لما آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت . فقال رستم : ائذنوا له ، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها . فقال له : ما جاء بكم ؟ فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام . [ تاريخ الطبري ]

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 03:00 PM
استهانتهم بزخارف الدنيا وزينتها الجوفاء : [/u]
وقد بين الله عز وجل أن الكفار هم الذين يغترون بزينة الدنيا وزخرفها فقال تعالى {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }البقرة212وقال {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ }الزخرف33وقال النبى صلى الله عليه وسلم :" لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء " [رواه الترمذي وصححه الألباني ]

فعلم الصحابة رضي الله عنهم حقارة الدنيا وزيف زخارفها فاستهانوا بها فلم تبهرهم الأضواء ، ولم تشغلهم الشهوات .

-*- أرسل سعد قبل القادسية ربعي بن عامر رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابى الحرير وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة ، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة ، وقد جلس على سرير من ذهب ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة ، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل عليه بسلاحه ودرعه وبيضته على رأسه فقالوا له : ضع سلاحك . فقال : إني لما آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت . فقال رستم : ائذنوا له ، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها . فقال له : ما جاء بكم ؟ فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام . [ تاريخ الطبرى ] _____

http://forum.islamacademy.net/images/statusicon/user_offline.gif

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 03:00 PM
___حرصهم على الاجتماع والوحدة ونبذ الخلاف
_كان الصحابة رضي الله عنهم من أحرص الناس على أسباب الرفعة والنصر والعزة ، ولا شك فى أن من أسباب النصر والرفعة والعزة الوحدة والاجتماع ونبذ الفرقة والخلاف ، قال تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)
وقال {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }الأنفال46-*- أخرج عبد الرزاق فى المصنف من حديث قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان صدرا من خلافته كانوا يصلون بمكة ومنى ركعتين ثم إن عثمان صلاها أربعاً ، فبلغ ذلك ابن مسعود فاسترجع ، ثم قام فصلى أربعاً . فقيل له : استرجعت ثم صليت أربعاً ؟ قال : الخلاف شر . [ رواه أبو داود وصححه الألباني ]

-*- وأخرج أحمد فى المسند عن رجل قال : كنا قد حملنا لأبى ذر رضي الله عنه شيئا نرد أن نعطيه إياه ، فأتينا الربذة ، فسألنا عنه فلم نجده ، قيل : استأذن فى الحج فأذن له ، فأتيناه بالبلدة - وهى منى - فبينما نحن عنده إذ قيل له إن عثمان صلى أربعاً ، فاشتد ذلك عليه ، وقال قولاً شديداً . وقال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين وصليت مع أبى بكر وعمر ، ثم قام أبو ذر رضي الله عنه فصلى أربعاً . فقيل : عبت على أمير المؤمنين شيئا لم تصنعه ؟ قال : الخلاف أشد ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فقال :" إنه كائن بعدى سلطان فلا تذلوه ، فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقه من الإسلام .. " الحديث [ رواه أحمد وذكره الهيثمى فى المجمع وعزاه إلى أحمد وقال فيه راو لم يسم ورجاله ثقات ]

-*- ومن ذلك ما جاء عن على رضي الله عنه قال : اقضوا كما كنتم تقضون ، فإني أكره الاختلاف ، حتى يكون للناس جماعة ، أو أموت كما مات أصحابي . وسأل ابن الكواء علياً رضي الله عنه عن السنة والبدعة وعن الجماعة والفرقة .

فقال : يا ابن الكواء حفظت المسألة فافهم الجواب : السنة والله سنة محمد صلى الله عليه وسلم والبدعة ما فارقها والجماعة - والله - مجامعة أهل الحق والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا . ____________________

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 03:01 PM
مسارعتهم رضى الله عنهم إلى التوبة والإنابة إن بدرت منهم معصيهقال أبو الحسن الندوى :

وكان هذا الإيمان مدرسة خلقية ، وتربية نفسية تملى على صاحبها الفضائل الخلقية من صرامة إرادة ، وقوة نفس ومحاسبتها والإنصاف منها ، وكان أقوى وازع عرفه التاريخ الأخلاق وعلم النفس ومحاسبتها والإنصاف منها ، وكان أقوى وازع عرفه تاريخ الأخلاق وعلم النفس عن الزلات الخلقية والسقطات البشرية ، حتى إذا جمحت السورة البهيمية فى حين من الأحيان وسقط الإنسان سقطة ، وكان ذلك حيث لا تراقبه عين ، و لا تتناوله يد القانون ، تحول هذا الإيمان نفساً لوامة عنيفة ، ووغذاً لازعاً للضمير ، وخيالاً مروعاً لا يرتاح معه صحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة ، ويتحملها مطمئناً مرتاحاً ، تفادياً من سخط الله وعقوبة الآخرة .

-*- كما فى قصة ماعز الذي أقر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه بالزنا فأمر بإقامة الحد عليه ، ثم أتت الغامدية تقر على نفسها ذلك .

-*- وربط أبو لبابة بن عبد المنذر نفسه فى سارية من سواري المسجد ، لما أحس بأنه قد خان الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت براءته .

-*- وكذا الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر ، فاعترفوا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما تعللوا بالأباطيل والكذب كما فعل المنافقون ، وأمر النبى صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم حتى مر عليهم خمسون ليلة ، ثم نزلت براءتهم من السماء ، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم من أسرع الناس إلى التوبة والإنابة والاعتراف بالذنب ، كما أنهم دائما أسرع الناس إلى الخير فرضي الله عنهم أجمعين وجمعنا بهم فى عليين

http://forum.islamacademy.net/images/statusicon/user_offline.gif

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 03:01 PM
: اتهامهم أنفسهم دائماً بالتقصير :

قال {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53
-*- هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يدخل عليه عمر يوما وهو يجبذ لسانه ، فيقول له : مه غفر الله لك فيرد عليه أو بكر قائلاً : إن هذا أوردني شر الموارد .

-*- وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طعن كان ولده عبد الله يضع رأسه فى حجره فإذا أفاق قال لابنه : ضعه لا أم لك ، ويلي ، ويل أم عمر إن لم يغفر لي ربى .

-*- وهذا عمران بن حصين يدخل عليه بعض أصحابه وكان قد ابتلى فى جسده فيقول له نفر منهم إنا لنبأس لك لما نرى فيك قال : فلا تبتأس بما ترى ، فإن ما ترى بذنب وما يعفو الله عنه أكثر ، ثم تلا هذه الآية {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }الشورى30]

-*- وهذا أبو الدرداء يصيبه المرض ويدخل عليه أصحابه ليعودوه ويقولوا له : أي شئ تشتهى فيقول : الجنة .

-*- وهذه أسماء بنت أبى بكر كانت تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول : بذنبي وما يغفره الله أكثر _

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 03:02 PM
ثباتهم أمام المطامع والشهوات :

لا شك فى أن قوة الإيمان فى قلب العبد تجعله يترفع عن شهوات الدنيا وأغراضها الدنية ، فيصون العرض ، ويؤدى الأمانة ، ويعف عن الغلول .

قال الطبري فى تاريخه : لما هبط المسلمون المدائن ، وجمعوا الأقباض ، أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض . فقال والذين معه : ما رأينا مثل هذا قط ، وما يعدله ما عندنا ولا يقاربه فقالوا : هل أخذت منه شيئا ؟ فقال : أما والله لولا الله ما أتيتكم به فعرفوا أن للرجل شأناً ، فقالوا : من أنت ؟ فقال : لا والله لا أخبركم لتحمدوني ، ولا غيركم لتقرظوني . ولكنى أحمد الله وأرضى ثوابه . فاتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه فسألهم عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس .
تزكية نفوسهم بالعبادات :

ووعى الصحابة أيضاً ما قرره القرآن الكريم وطبقه الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وسلم عملياً من أن تطهير وتزكية النفس هما أساس التغيير المنشود ، وأساس النجاح والنصر المنشود فى الدنيا ، والفوز والفلاح فى الآخرة .

إذ يقول عز وجل فى كتابه :" قد أفلح من زكاها " [ الشمس : 9 ] . " قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى " [ الأعلى : 14،15)

وإذ يؤثر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم من الليل حتى تورمت قدماه من طول القيام وكان يقول :" وجعلت قرة عيني فى الصلاة " [ رواه النسائي وأحمد ]

وعى الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً ذلك كله فعملوا جاهدين على تمثله فى أنفسهم بحيث صار واقعاً حياً ملموساً يتحرك فى دنيا الناس ، وتتحدث عنه كتب التراجم والسير والتواريخ ، وتتناقله الأعداء فى مجالسهم الخاصة والعامة فى كتبهم .

-*- هذا عمر بن الخطاب كان يصل من الليل ما شاء الله أن يصلى ، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة ، ثم يقول لهم :" الصلاة " ويتلو هذه الآية :" وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى " [ طه : 132 ]

-*- وعن نافع قال : كان ابن عمر يحيى الليل صلاة ثم يقول يا نافع أسحرنا ؟ فيقول : لا ، فيعاود الصلاة ثم يقول : يا نافع أسحرنا ؟ فيقول : نعم . فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح .

-*- وكان عبدا لله بن عمرو بن العاص يختم القرآن فى ثلاث ، وواظب لعى ذلك وهو طاعن فى السن ، حتى أدركته الوفاة .

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 03:03 PM
تكافلهم فيما بينهم ومواستهم لإخوانهم
كان الصحابة رضوان الله عليهم بينهم من التكافل والتناصر والمواساة ما يضرب به المثل امتثالاً لقول الله عز وجل {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }الحجرات10
قال تعالي:وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الحشر9وقد مدح الله عز وجل الأنصار الكرام بقوله تعالى :" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " [ الحشر:9 ]

-*- عن أنس بن مالك رضي الله عنه : قال قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبى صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله فقال عبد الرحمن : بارك الله لك فى أهلك ومالك . [ رواه البخاري ]

وعن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال : لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ، فقال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف إني أكثر الأنصار مالاً فأقسم مالي نصفين ، ولى امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها . فإذا انقضت عدتها فتزوجها ، قال : بارك الله فى أهلك ومالك أين سوقكم ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ، ثم تابع الغدو يوماًَ وبه أثر صفرة فقال النبى صلى الله عليه وسلم :" مهيم ؟ " قال : تزوجت . قال : كم سقت إليها . قال : نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب .. شك إبراهيم . [ رواه البخاري ]

-*- وهذا صحابي آخر ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعامه وطعام أولاده

عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبى صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن ما معنا إلا الماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من يضم أو يضيف هذا " .

فقال رجل من الأنصار : أنا ، فانطلق به إلى امرأته ، فقال : أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ما عندنا إلا قوت صبياني فقال : هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء ، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ، ونومت صبيانها ، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته .

فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين ، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما فأنزل الله :" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " [ الحشر : 9 ] [ رواه البخاري ]

-*- وهذا أبو بكر الصديق يتزوج أسماء بنت عميس ليقوم على أمرها وأمر صغارها بعد مقتل جعفر بن أبى طالب الطيار فى سرية مؤتة .

-*- وهذا عبد الرحمن بن عوف يتزوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط التي هاجرت من مكة وحدها سراً ، ليقوم عليها فلا تضيع ولا تفتن .

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 03:03 PM
حرصهم على الأخذ بأسباب القوة :

عملاً بقول الله عز وجل {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }الأنفال وقوله صلى الله عليه وسلم :" المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف " [ رواه مسلم وابن ماجه]
وقوله صلى الله عليه وسلم :" ارموا بنو إسماعيل فإن أباكم كان رامياً .. " رواه البخاري وأحمد

وصارع النبى صلى الله عليه وسلم ركانة ، وكان ركانة من أشد الناس لا يصرع ، وسابق بين الخيل ؟ [ رواه أبو داود والبيهقى فى السنن الكبرى ]

وكانت العضباء - ناقة النبى صلى الله عليه وسلم - لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسابقها فسبقها الأعرابي ، وكان ذلك شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" حق على الله ألا يرفع شئ فى الدنيا إلا وضعه " [ رواه البخاري ]

يقول سلمه ين الأكوع رضى الله عنه بينما نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق شداً ، فجعل يقول : ألا مسابق إلى المدينة ؟ هل من مسابق ؟ فجعل يعيد ذلك . فقلت : أما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً ؟ قال : لا ، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : قلت : يا رسول الله بأبي أنت وأما ذرنى فلأسابق الرجل . قال : " إن شئت ، فسبقته إلى المدينة " [ رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني

وهذا سعد بن أبى وقاص كان يقول لبنيه : أي بني تعلموا الرماية فإنها خير لعبكم .

وكان عقبة بن عامر يختلف بين الغرضين وهو شيخ كبير فقيل له : تفعل هذا وأنت شيخ كبير يشق عليك ؟ فقال : من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا وفى رواية فقد عصى . [ رواه مسلم ]

وكتب عمر بن الخطاب إلى أبى عبيدة بن الجراح أن علم غلمانك العوم ومقاتلتكم الرمي .

فكانوا يختلفون فى الأغراض ، فجاء سهم غرب فقتل غلاماً وهو فى حجر خال له لا يعلم له أهل . فكتب أبو عبيدة إلى عمر : إلى من أدفع عقله ؟ فكتب إليه عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :" إن الله ورسوله مولى من لا مولى له . والخال وارث من لا وارث له " [ رواه أحمد وصححه أحمد شاكر ]

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 03:04 PM
استنصارهم بالله عز وجل وطلبهم العزة بما أعزهم الله عز وجل به :[/U
]فقد كان من هدى الصحابة الكرام أنهم يطلبون النصر من الله عز وجل عملاً بقول الله عز وجل :" وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم " الأنفال : 10

-*- أخرج ابن عبد الحكم عن زيد بن أسلم قال : لما أبطأ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح مصر كتب إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه :

" أما بعد : لقد عجبت بإبطائكم عن فتح مصر ، تقاتلونهم منذ سنين ، وما ذاك إلا لما أخذتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم ، وإن الله تعالى لا ينصر قوماً إلا بصدق نياتهم ، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر ، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما أعرف ، إلا أن يكون غيرهم ما غير غيرهم ..

فإذا أتاك كتابى هذا فاخطب الناس ، وحضهم على قتال العدو ، ورغبهم فى الصبر والنية ، وقدم أولئك الأربعة فى صدور الناس ، وأمر الناس أن يكونوا لهم صدمة رجل واحد ، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة ، فإنها ساعة تنزل فيها الرحمة ، ووقت الإجابة وليعج :[ أى يرفعون أصواتهم ] الناس إلى الله ، وليسألوه النصر على عدوهم".

فلما أتى عمرو الكتاب ، جمع الناس ، وقرأه عليهم ، ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس ، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين ، ثم يرغبون إلى الله ويسألونه النصر ففتح الله عليهم .

-*- وعياض الأشجعى قال : شهدت اليرموك وعليها خمسة أمراء : أبا عبيدة ويزيد بن أبى سفيان وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد وعياض رضي الله عنه ، وليس عياض هذا الذي حدث - فقال : إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة ، فكتبنا إليه : أنه قد جاش إلينا الموت ، واستمددناه فكتب إلينا : أنه قد جاءني كتابكم تستمدوني وإني أدلكم على من هو أعز نصراً وأحضر جندا الله عز وجل ، فاستنصروه ، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم قد نصر يوم بدر فى أقل من عدتكم .

وكانوا رضي الله عنهم يطلبون العزة بما أعزهم الله عز وجل به من الإيمان والعمل بالإسلام ، وطاعة النبى صلى الله عليه وسلم .

-*- عن طارق بن شهاب قال : خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه ، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة .
فقال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين ، أنت تفعل هذا تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة ؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك . فقال عمر : أواه لو قال ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام ، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله . [ رواه الحاكم وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ]

سعد ابن معاذ
07-12-2007, 03:05 PM
[COLOR=Magenta]ثقتهم بنصر الله عز وجل :


قال الشيخ محمد الغزالى - رحمه الله - : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبث عناصر الثقة فى قلوب رجاله ويفيض عليهم مما أفاضه الله على فؤاده من أملٍ رحيب فى انتصار الإسلام وانتشار مبادئه وزوال سلطان الطغاة أما طلائعه المظفرة فى المشارق والمغارب وقد اتخذ المستهزئون من هذه الثقة مادة لسخريتهم وضحكهم ، كان الأسود بن عبد المطلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبى صلى الله عليهم وسلم يتغامزون بهم ويقولون : قد جاءكم ملوك الأرض الذين سيبلغون غداً على ملك كسرى وقيصر . ثم يصفرون ويصفقون . [ فقه السيرة للغزالي ]

ولقد كانت الآيات القرآنية تنزل بمكة تبشر بانتصار الإسلام والصحابة رضي الله عنهم يعذبون فى ربوع مكة ، فنزل قول الله عز وجل فى سورة الروم :" الم * غلبت الروم * فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * فى بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم " [ الروم : 1 - 5 ]

وكانت تبشر الآيات كذلك بهزيمة المشركين وانكسار شوكتهم فنزل قوله عز وجل :" سيهزم الجمع ويولون الدبر"[ القمر : 45 ]

وهزمت جموع المشركين فى أول لقاء بين الكفر والإيمان فى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ، كما بشر الله عز وجل وبشر رسوله صلى الله عليه وسلم بانتصار الإيمان وغلبة جند الرحمن فى كل زمان ومكان ، فقال عز وجل :" وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " [ الروم : 47 ]

وقال عز وجل :" وإن جندنا لهم الغالبون " [ الصافات : 173 ]

وقال :" إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد " [ غافر : 51 ]

وقال صلى الله عليه وسلم :" ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين ، بعز عزيز أو بذل ذليل ، عزاً يعز الله به الكفر ، وذلاً يذل به الكفر " [ رواه أحمد وابن حبان وصححه الشيخ الألباني على شرط مسلم فى الصحيحة ]

وقال صلى الله عليه وسلم :" إن الله زوي لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لى منها " [ رواه مسلم والترمذي وأبو داود ]

فكان من ثقة الصحابة الكرام بنصر الله عز وجل يتهمهم المنافقون بالغرور ، كما قال تعالى :" إذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم " [ الأنفال : 49 ]

-*- فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه يقول للروم وقد تحصنوا بالحصون : أيها الروم انزلوا إلينا فوالله لو كنتم معلقين بالسحاب لرفعنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا .

-*- ووقف الفارس المسلم على شاطئ الأطلنطي وقال : والله يا بحر لو اعلم أن وراءك أرض تفتح فى سبيل الله لخضتك بفرسي هذا .

كنا جبالاً فى الجبــال وربـــما ***** سرنا على موج البحار بحارا

لم تنس إفريقيا وصحرائها يوما ***** بجداتنا والأرض تقذف نارا

كنا نقدم للسيــوف صدورنـــــا ***** لم نخش يوماً غاشماً جبارا

بمعابـــد الإفرنج كان آذاننــــا ***** قبل الكتائب يفتح الأمصارا

ندعو جهارا لا إلاه سوى الذي ***** فطر الوجود وقدر الأقدارا

المصدر : بتصرف من كتاب " التربية على منهج أهل السنة والجماعة " لفضيلة الشيخ : أحمد فريد
منقول